• English
  • 22 يونيو، 2024
  • 12:01 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

“سنست بلفارد” تحفة بيلي وايلدر.. يفضح الجانب المظلم لهوليود

“سنست بلفارد” تحفة بيلي وايلدر.. يفضح الجانب المظلم لهوليود

29 July، 2022

بسام الرحيلي

بيلي وايلدر، أحد أهم الأسماء في عالم الإخراج والكتابة أيضًا. امتدت مسيرته قرابة خمسين عامًا، كانت ذروته فيها في عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، حين صنع العديد من الروائع التي ما تزال حاضرة إلى اليوم لما تحمله من قيمة فنية عالية. وما يميّز وايلدر أنه صنع أنواعًا متعددة من الأفلام وأتقنها جميعها، فنجده صنع في الدراما مثلًا (Sunset Blvd) 1950، وفي الجريمة والنوّار (Double indemnity) 1944، وفي الكوميديا (Some like it hot) 1959، وفي الرومانسي (The Apartment) 1960، وفي الإثارة والتشويق (Witness for the prosecution) 1957.

 وجميع هذه الأعمال المذكورة خُلّدت في تاريخ السينما، ولها مكانة مهمة في تاريخ هوليود وتاريخ السينما. فنحن إذن أمام مخرج أتقن صنعته وبرع في استخدام أدواته، وله بالتأكيد بصمته الخاصة، وحضوره في التاريخ السينمائي.

عن سنست بلفارد

من بين العديد من الروائع يعدّ البعض (Sunset Blvd) 1950 قمة أعمال وايلدر. والفيلم يعتمد على نص أصلي تمامًا كتبه وايلدر بمشاركة تشارلز براكيت، وهو التعاون الأخير بينهما بعد سلسلة طويلة من الأفلام الناجحة التي شاركا في كتابتها. نجح الفيلم في وقته، وتعاظمت أهميته ومكانته مع مرور السنوات، ليصبح من أشهر كلاسيكيات السينما على الإطلاق.

يُعَدّ “سنست بلفارد” من زاوية معينة فيلمًا عن السينما، وعن هوليود تحديدًا، عن الجانب المظلم في هوليود، عن القصص التي تهتمُّ بها شركات الإنتاج الهوليودية، عن جيل الأفلام الصامتة المنسي، عن قسوتها في خطف الأضواء عندما يصل الممثل أو الممثلة إلى سنٍّ معين.

افتتاحية مختلفة

يبدأ الفيلم بصوت الراوي (الشخصية الرئيسية) الذي سيرافقنا طوال الفيلم، يحكي لنا قصته ومشاعره الداخلية وتعليقاته على بعض الأحداث. يبدأ الفيلم بافتتاحيةٍ مثيرة وجريئة تُعَدُّ واحدة من أشهر الافتتاحيات السينمائية، إذ نشاهد البطل (هو الراوي!) مقتولًا وجثته تطفو على سطح أحد المسابح. وايلدر هنا يبدأ من النهاية، وبخطوة جريئة يكشف الحدث الأهم منذ أول مشهد، وينجح مع ذلك -ربما لذلك!- في إثارة اهتمامنا طوال مدة الفيلم بقصته وشخصياته الزاخرة بالتفاصيل والتعقيدات، ويثير السؤال: ما قصة هذا الرجل؟ وكيف وصل إلى هذا المصير؟

نعود بعد هذه الافتتاحية إلى القصة من بدايتها.. جوي غيليز كاتب سينمائي (يقوم بدوره ويليام هولدين، الدور الذي أعاده للنجومية بعد سنوات من الركود) يعيش غيليز في أزمة مالية، تدفعه حاجته للمال إلى الكتابة باستمرار رغبة في أن يكتب سيناريو تقبله شركات الإنتاج ويقبض عليه أجرًا يُحسّن حالته المعيشية، لكن بلا جدوى. في هذه الأثناء تهدده الشرطة باستمرار بالقبض عليه إن لم يدفع للشركة التي استأجر منها سيارته. وفي أحد الأيام يفرّ هاربًا وتلاحقه سيارات الشرطة في شوارع هوليود لينعطف بسيارته عند قصر كبير مهجور بعيدًا عن أعين الشرطة. يترجّل من سيارته لبعض الوقت ويتطلّع في الساحات الخارجية لهذا القصر الكبير. يصل إليه نداء من داخل القصر، من سيدة تبدو كبيرة في السنِّ، يذهب إليها، ليكتشف أنَّهُ ليس قصرًا مهجورًا كما توقّع بل تسكنه ممثلة كانت نجمة الأفلام الصامتة! ومعها خادمها المخلص ماكس. ومن هنا تبدأ الحكاية.

سنست بلفارد-SunsetBoulevard

الماضي والحاضر، الوهم والحقيقة

لايمكن أن تشاهد هذا العمل دون أن تستحضر هذه المفاهيم والمتضادات، بل تكاد تكون حاضرة في كل مشهد من مشاهد الفيلم. تتعرف هذه الممثلة الخمسينية الثرية نورما ديزموند (تقوم بدورها غلوريا سوانسون) على الكاتب غيليز وتُطْلعُهُ على نصٍّ قد كتبته. تطلب منه أن يقرأه ويقول لها رأيه فيه بما أنه متخصص. ومع أنه نصٌّ بالغ السوء كما يُعبّر الراوي، ويحتاج إلى إعادة كتابة وليس تعديلًا فقط، مع ذلك يقبل غيليز بهذه المهمة بسبب المقابل المالي العالي الذي تعرّضه عليه الممثلة. لا تقبل نورما ديزموند أن يخرجَ هذا النصُّ من قصرها، لذلك ينتقل غيليز للسكن مؤقتًا في إحدى الغرف في هذا القصر الكبير.

من هنا يبدأ وايلدر في رسم هذه الشخصية المعقّدة التي نشاهدها من خلال منظور الكاتب غيليز. نورما ديزموند ممثلة تجاوزها الزمن وتجاوزتها النجومية، لكنها ما زالت تعيش في الماضي منفصلة تمامًا عن الحاضر وعن الواقع. الحياة داخل قصرها ليست كالحياة في الخارج، في كل مرة يدخل غيليز قصرها يشعر كما لو أنه عاد سنواتٍ إلى الخلف؛ كل شيء في قصرها يجري بحسب الأصول وبرسمية وجدية صارمتين. وعبر أداء الممثلَيْن هولدن وسوانسون يخلق وايلدر تقابلًا صارخًا على الشاشة؛ غلوريا سوانسون تُمثّل بأداء مسرحي وبمبالغات الأفلام الصامتة التعبيرية (تقول في أحد المشاهد: لم نكن نحتاج للحوارات، كان لدينا وجوه)، أما هولدن فيمثّل دوره بأداء عفوي، يتحرك بحرية وعشوائية بشكل يبدو فعلًا متَّصلًا بواقعه.

SunsetBoulevard-سنست بلفارد

 تنتظر نورما ديزموند أن ينهي غيليز مراجعة النص لتأخذه إلى المخرج سيسيل ديميل الذي أخرج أهمَّ أفلامها الصامتة، لتعود من خلال هذا العمل الذي كتبته إلى “الملايين من الجماهير الذين لم يغفروا لها ابتعادها عن السينما”. والحقيقة أن شيئًا من هذا لن يحدث؛ فنورما ديزموند ممثلة منسيّة في الخمسين من عمرها، لا أحد يعرفها إلا أولئك الذين عاصروها أو لهم دراية بتاريخ السينما. يكتشف غيليز أن رسائل الإعجاب التي تصل إليها يوميًّا، لم تكن تصل من جمهورها كما يظنُّ، بل كان يكتبها خادمها ماكس، الذي يتضح أنه كان مخرجًا في عهدها وهو من اكتشف موهبتها. وأنه أيضا زوجها الأول! هكذا تتغذى نورما ديزموند على الأوهام، لا تقابل الحقيقة، الحقيقة قاتلة والوهم جميل، تعيش في انفصال مرعب عن الواقع! على وهم النجومية، وهمِ الحبِّ، وهم انتظار عودة سينمائية كبيرة.

هوليود من الداخل

إن الأفلام التي تحمل قيمة فنية عالية، يمكن أن تُقرأ من جوانب عدّة؛ لثرائها بالتفاصيل والحكايات المكتوبة بشكل متقن ومتماسك. يُعَدُّ (Sunset Blvd) من زاوية معينة فيلمًا عن السينما، وعن هوليود تحديدًا، وعن الجانب المظلم في هوليود؛ إذ نشاهد من خلال رحلة الكاتب نوعية القصص التي تهتمُّ بها شركات الإنتاج الهوليودية، وعن جيل الأفلام الصامتة المنسي، أولئك الذين يصفهم البطل بـ”التماثيل الشمعية”، وعن قسوة هوليود في خطف الأضواء عندما يصل الممثل أو الممثلة إلى سنٍّ معين، كما هي حالة نورما ديزموند، التي نرى من خلالها أثر النجومية على الفرد، وكيف يمكن أن يؤدي غيابها المفاجئ إلى صراعات نفسية صعبة ومريرة.

كان بيلي وايلدر جريئًا في تقديمه هذه الصورة المختلفة لهوليود، مما خلق له بعض المشاكل؛ فمن إحدى القصص الشهيرة أن لويس بي ماير، المنتج الهوليودي الشهير وصاحب شركة إنتاج مترو غولدين، شتم بيلي وايلدر في إحدى الحفلات ووصفه بالخائن الذي يجب أن يُطرَد من هوليود.

من الحقائق المهمة في هذا الفيلم أن غلوريا سوانسون كانت بالفعل نجمة الأفلام الصامتة، وكانت -مثل شخصيتها نورما ديزموند- قد توقفت سنوات عن العمل، وصلت إلى ست عشرة سنة! وعادت من خلال هذا الدور إلى السينما في أعظم عودة سينمائية؛ فقد ترشحّت عن دورها لجائزة أفضل ممثلة رئيسية، وأصبح الدور الأهم والأشهر لها في تاريخها، بل أصبحت شخصية نورما ديزموند مرتبطة بها، حاضرة متى ما حضر اسمها.

إيريك فان ستروهايم أيضًا، الذي يلعب دور الخادم ماكس، كان أحد أهم مخرجي الأفلام الصامتة! وأخرج بالفعل لغلوريا سوانسون عددًا من الأفلام لعل أهمها (Queen Kelly) 1932، الذي ظهر في أحد المشاهد حين كانت نورما ديزموند تتابع برفقة الكاتب غيليز أفلامها القديمة، وتتحسَّر على سنوات السينما الصامتة.

إيريك فان ستروهايم أيضًا، الذي يلعب دور الخادم ماكس

 أما سيسيل ديميل، المخرج الذي ترغب نورما ديزموند في أن يُخرج نصّها ويحقق لها العودة الكبيرة إلى السينما، فقد كان بالفعل مخرج أهمِّ أفلام غلوريا سوانسون. وفي أحد المشاهد؛ عندما تذهب نورما ديزموند إلى ديميل في أستوديوهات بارامونت، ظهر ديميل باسمه الحقيقي وشخصيته الحقيقية، وكان بالفعل يصوّر أحد أفلامه في الأستوديو، وكان المشهد الذي يجمعهما واحدًا من أصدق مشاهد الفيلم وأكثرها تأثيرًا.

ختامًا

حصل الفيلم على 11 ترشيحًا في جائزة الأوسكار، في سنة كانت المنافسة شرسة فيها. وحصل على ثلاث جوائز، كان أهمها جائزة أفضل نص لوايلدر وتشارليز براكيت. ولكن (Sunset Blvd) 1950 لم يتجاوزه الزمن، فهو لا يزال فيلمًا مهمًّا ومثالًا للسينما ذات القيمة الفنية العالية؛ تكاملت فيه جميع العناصر من جودة الكتابة، وروعة التمثيل، وتعبير الصورة. يقف خلفه مخرج حاذق وماهر بالتحكم في أدواته وعناصره وتوظيفها بشكل مثالي يخدم قصته ويعبر عن رؤيته الفنية، ليصبح (Sunset Blvd) باستحقاق أحد أروع كلاسيكيات السينما الخالدة.

فاصل اعلاني