• English
  • 16 يونيو، 2024
  • 9:12 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

img

إسحق فلدبرغ، ترجمة نجاج الجبيلي

إسحق فلدبرغ

ترجمة: نجاج الجبيلي

يوظف كرستوفر نولان دراسة الشخصية وحساب التاريخ في فيلمه المذهل “أوبنهايمر”، الذي يدور حول ج.روبرت أوبنهايمر، الرجل المعروف بـ”أبو القنبلة الذرية”، ويلقي الضوء لا على العقول العلمية الأكثر أهمية في أمريكا فحسب، بل على مجموعة الأنظمة المتعارضة والمنقسمة التي قادت طموحه، وحددت أفعاله.

بالنظر العميق إلى الخصائص المتناقضة لرجل خاطر بتدمير العالم من أجل إنقاذه، يُقدّم أوبنهايمر صورة للفيزيائي النظري، باعتباره مسكونًا بنفس الشعور بالتناقض الذي سيّر هوسه بميكانيكا الكمِّ، والتي اقترحت الضوء على أنه ازدواجية ثابتة لكل من الجسيمات والموجة. عالِم وإداري مفتون بالفنون والشعر والأدب. رجل مخلص للعائلة لكنه خدع زوجته مرارًا؛ فيزيائي نظري لامع لكنه غير كفء في مسائل التطبيق العملي؛ ويُعدُّ حلقة وصل بين علماء الذرة والعسكريين والشخصيات الحكومية التي تشرف على عملهم، والتي تمنع زملاءه من الاستجواب الأخلاقي أو السياسي، ولكن تصارع بقوة مع الآثار المترتبة على خلقهم. كان شخصية معقدة بشكل مذهل، كما كان شخصية مجهولة في النهاية.

كان أوبنهايمر مسؤولًا عن البحث وتطوير القنبلتين الذريتين اللتين أسقطتهما الولايات المتحدة على هيروشيما وناجازاكي، خلال الحرب العالمية الثانية، وقد عارض أوبنهايمر لاحقًا تطوير القنبلة الهيدروجينية؛ وجرت معاقبته بالإذلال العلني، وعُدَّ شهيدًا بسبب جنون عظمة المكارثية. نشط في السياسة اليسارية طوال الثلاثينيات، وخان زملاءه الشيوعيين لصالح الحكومة الأمريكية. ادَّعى أوبنهايمر أنه يحب الإنسانية، لكن معاملته المهينة لمن حوله أدَّت إلى نفور زملائه منه، وعجّلت غيرتهم المهنية بسقوطه.

يُقدّم “أوبنهايمر” صورة للفيزيائي النظري باعتباره مسكونًا بنفس الشعور بالتناقض الذي سيّر هوسه بميكانيكا الكمِّ.

بروميثيوس الأمريكي

اعتمد الفيلم على كتاب بعنوان “بروميثيوس الأميركي: انتصار ومأساة ج. روبرت أوبنهايمر”، الحائز على جائزة بوليتزر سنة 2005، والذي ألفه “كاي بيرد ومارتن ج.شيروين”، ويبدو فيلم نولان محددًا في تصويره لعبقرية هي على خلاف مأساوي مع الوجود، والأهم من ذلك كله التذبذبات المفاهيمية التي انطوت عليها: بين الذكاء والسذاجة، والثقة والكبرياء، والالتزام الأخلاقي والواجب الوطني، والتقدم العلمي والألاعيب السياسية، ونهاية العالم والخلاص المروع، والنظرية والواقع.

تتكشَّف أحداث الفيلم على مدى عقود، وتبلغ مدته ثلاث ساعات، ويؤدي دور أوبنهايمر الممثل الإيرلندي “كيليان ميرفي”، في أداء مُثير يبعث على الدهشة، ويلاحق حياته خلال السنوات الأولى في الأوساط الأكاديمية حتى النهاية القاسية لمسيرته المهنية في المؤسسة النووية. كما يصور الفيلم العديد من الأحداث التي من شأنها أن تحدد البطل في الحياة العامة والخاصة. في الوقت نفسه ينغمر الشريط في العالم الذي حول أوبنهايمر، والصداقة الحميمة، والغرور التافه للمؤسسة العلمية، والتفكير الجماعي المثير للخوف لدى حكومة هي في قبضة “الرعب الأحمر[1]”.

مع الأخذ بعين الاعتبار سنوات “أوبنهايمر” كمدير لمختبر لوس ألاموس السري، حيث أثبتت قيادته الكاريزمية، وقدرته على استيعاب المفاهيم بسرعة عبر أقسام برنامج الأسلحة، أنها مفتاح نجاح مشروع مانهاتن، ومع ذلك، يعرض الفيلم صداقات أوبنهايمر وارتباطاته الرومانسية، أولًا علاقته مع اليسارية المتقلبة جين تاتلوك (تؤدي دورها فلورنس بوغ التي تألقت مشاهدها المثيرة مع مورفي)، ثم زواجه لاحقًا من كيتي هاريسون (إميلي بلانت، التي قدم استياؤها المستمر صورة مختلفة، وطاقة مثيرة على حد سواء)، وهي مُطلَّقة صاخبة ترافق “أوبنهايمر” إلى لوس ألاموس، ويظهر ولاؤها لزوجها متوطدًا عند الاختبار.

ومن الأمور البارزة أيضًا علاقته العدائية مع ليزلي غروفز (يؤدي الدور مات ديمون)، الجنرال العسكري الذي عيّن أوبنهايمر مديرًا لمختبر لوس ألاموس، على الرغم من وصفه بأنه “متعجرف، وزير نساء، وشيوعي مشتبه به”، ويميل إلى السلوك القلق والعصبي. يرد “أوبنهايمر” على “جروفز” بابتسامة متكلفة: (الذكاء يعوض الكثير)، على الرغم من أن ارتباطاته بأعضاء الحزب الشيوعي ودعم القضايا اليسارية ستعود لاحقًا لكي تلدغه.

منظوران

بدلًا من محاولة التوفيق بين ازدواجات شخصيته الرئيسية، قام نولان بتحويلها ببراعة داخل أساس الفيلم، وقسم الشريط بشكل سردي إلى منظورين: منظور أوبنهايمر، بألوان فاخرة، ومنظور رئيس لجنة الطاقة الذرية لويس شتراوس (قام بالدور روبرت داوني)، باللونين الأبيض والأسود، إذ تجري الحركة ذهابًا وإيابًا بين هذين القسمين، أحدهما بعنوان “الانشطار”، انقسام الذرات، والآخر “الاندماج”، وهو التقاء الذرات.

بالتوافق مع هويت فان هوتيما، مدير التصوير الرائع، الذي صور الفيلم على مقاس 65 ملم، و كاميرا IMAX 65 ملم، يمنح نولان هذا البناء عظمة سينمائية حية، تكمل وتجمِّع التصميم الغامر لصناعة أفلامه. بالنسبة لقصة كثيفة للغاية مع مشاهد مليئة بالحوار لرجال بارزين يكتسبون أهمية ذاتية، ويتحدثون في غرف السلطة، فإن مقاس الفيلم والإحساس به عميق ومدوٍّ.

يعمل التسلسل الزمني غير الخطي الجريء أيضًا على تضخيم الطبيعة الغامضة لأعمال أوبنهايمر الداخلية، وانزلاق هويته، من خلال الانتقال السريع بين عالمه الداخلي والعالم الخارجي. حتى في اقتراح استكشاف عميق لسايكولوجيا العالِم، وضع نولان هذا النهج الذاتي لأوبنهايمر في السياق الموضوعي الأكبر للسجل التاريخي، حيث سحب حرفيًّا من محاضر جلستين، إحداها محكمة عام 1954 المنحازة بشكل واضح، والتي شهدت إلغاء براءة أوبنهايمر الأمنية، بناء على طلب من أعدائه السياسيين. والأخرى هو إقرار عام 1959 في مجلس الشيوخ لشتراوس، الذي تم ترشيحه وزيرًا للتجارة في رئاسة أيزنهاور، والتقاطع بين الأقسام إلى الروابط والصلات الطارئة السريعة، مما جعل حياة كلا الرجلين معًا تصدمان كأنها داخل مُسرِّع الجسيمات.

فيلم “أوبنهايمر” هو أسرع أفلام نولان وتيرةً حتى الآن، وهو يندفع عبر الزمان والمكان، من الدرجات الأكاديمية التي تمت إزالتها بشكل بارد إلى الصور البانورامية الصحراوية التي تحرقها الشمس، التي تحتضن أداء مورفي المذهل. القوة التي يتم تكبيرها من خلال اللقطات المُقرَّبة التي تدعونا للبحث عن الحقيقة وراء عينيه الثاقبتين الغامضتين، وعبر الخطوط النحيلة لملامحه. طوال الوقت، ينزعج أوبنهايمر من رؤى عالم خفي، واقع تحت ذري، تموجات ناتجة عن قطرات المطر في الماء والنار المتدفقة بالحرارة القاتلة، كما لو أن الامتداد الذي لا يمكن التغلب عليه للكون يصطدم بتفاصيل المادة. التقسيم أمر بالغ الأهمية لأوبنهايمر ولفيلم أوبنهايمر. بصفته رئيسًا لمختبر لاس ألموس، فإنه يقاوم بروتوكولات الحاجة إلى المعرفة الحكومية، التي تُبقي العلماء يعملون في صوامع، لكن المبررات التي يجب أن يقدّمها لنفسه من أجل المضي قُدُمًا في مشروعهم تتخذ خاصية غير حاسمة على نحو متزايد.

لطالما كان نولان مفتونًا بالأوهام الحيوية التي يخلقها الرجال لتبرير أفعالهم، وبكبريائهم في فرض نظام للوجود. بينما يسعى أوبنهايمر إلى تحقيق فتوحات علمية، ويجد نفسه مثقلًا وجوديًّا بالمسؤولية عن التسلح الذري للعالم، ومُكلَّفًا بأداء تألق معين للجمهور، تبدأ هذه الأوهام الحيوية في خذلانه، وتصبح الطبيعة الفاوستية لدوره داخل المؤسسة النووية واضحة.

بالتوافق مع مدير التصوير “هويت فان هوتيما”، الذي صور الفيلم على مقاس 65 ملم، وكاميرا IMAX 65 ملم، منح نولان هذا البناء عظمة سينمائية حية.

فيلم “أوبنهايمر” هو أسرع أفلام نولان وتيرةً حتى الآن، وهو يندفع عبر الزمان والمكان.

لطالما كان نولان مفتونًا بالأوهام الحيوية التي يخلقها الرجال لتبرير أفعالهم، وبكبريائهم في فرض نظام للوجود.

الأكثر تنظيمًا

لكونه يتضمن جزءًا من السيرة الذاتية، وجزءًا من الإثارة النفسية، وجزءًا من ميزات فيلم الرعب، يعتبر “أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا من الناحية الرسمية الذي صنعه نولان، وتضاف تجاربه إلى القوة التراكمية لحسابه الروحي، بمعنى تجاوز حدود الإمكانات البشرية قد جعله مذنبًا بشكل لا رجعة فيه، ويفوق كل حُكم. في أول مشاهدة لتفجير سلاح نووي، بينما ترتفع سحابة تشبه نبات الفطر فوق الصحراء الأمريكية بقوّة مدمرة ماحية، يتحول أوبنهايمر ليس إلى الفلسفة الغربية، بل إلى الكتاب المقدس الشرقي، إلى البهاغافادا جيتا، ويقرأ: “الآن أصبحتُ الموتَ، مُدمّر العوالم”.

يعتقد نولان بوضوح أن هناك بعض الحقيقة في مثل هذا التأطير الأسطوري لأوبنهايمر. كما يعكس البناء المذهل لفيلمه الإلحاح الذي يشير به غروفز إلى مشروع مانهاتن على أنه “أهم شيء حدث على الإطلاق في تاريخ العالم”، ولا يُقدِّم أي مهلة أو حلٍّ لحالة مزعجة، مثل روح الإنسان الذي جعلها ممكنة. غالبًا ما يتأمل أوبنهايمر قائلًا: “يمكن للنظرية أن تأخذك بعيدًا فقط”، وهي لازمة تطارده لاحقًا- مثل العديد من سطور الحوار الأخرى التي تتضاعف في سيناريو نولان الدائري بذكاء- كنذير شؤم لأولئك الذين هم على شفا اكتشاف العالم وتغييره.

يكتسب الفيلم أهمية أخرى في الثلث الأخير باللونين الأسود والأبيض، حيث إن تصويره لوقوع أوبنهايمر ضحية على يد المؤسسة الأمنية الأمريكية، يخبرنا بالحقيقة حول ما حلَّ بأبرز عالِم في البلاد، وبذلك، لا يتحدث الشريط عن مأساته فحسب، بل عن الحاجة الملحة لتجسيد دور العالِم كمُفكّر عام، والالتفات إلى كلماته المنطقية التحذيرية، بقدر الاهتمام بتصريحاته عن الإنجاز الضخم.

[1] الرعب الأحمر هو شكل من أشكال الدعاية اليمينية التي يوجد فيها ترويج واسع النطاق للخوف والذعر تجاه الصعود المحتمل للشيوعية أو الفوضوية أو الأيديولوجيات اليسارية الأخرى داخل المجتمع أو الدولة.

فاصل اعلاني