• English
  • 21 يونيو، 2024
  • 11:52 م

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

2 April، 2024

عبد الله الدحيلان

ليس عيبًا أن تلحق بركب السينمائيين متأخرًا، حيث لا يخلو الأمر من سببٍ ما أعاق قيام ذلك، سواء كان منطقيًّا أو غير منطقي، فهو في النهاية تسبب في عدم دوران تلك العجلة بجوار عجلات أخرى أخذت نصيبها وطنيًّا، وذلك على المستوى الثقافي والتنموي والاقتصادي. إن أكثر ما يهم في هذه المرحلة التي تشهد عملية متسارعة لولادة السينما في السعودية، ليس الغوص في تفاصيل أسباب اللحاق المتأخر بالركب، فقد سبق كثير من الكتاب والمختصين طرقها وتشريحها، ونخبة منهم أجادت وأحسنت في استعراضها وتلمس حقيقية الأمر، بينما لم يزد الأغلب الورق إلا تحبيرًا ببكائه على الأطلال؛ لذلك نمو هذه الصنعة محليًّا، وتحديدًا على مستوى المفهوم والتلقي والإنتاج، يتوجَّب طرق الآثار السلبية التي خلفها التأخر عن الانطلاق، حيث إن ذلك سوف ينقلنا من مرحلة جلد الذات إلى فهم الواقع ومعالجته. 

أكثر ما يهم في هذه المرحلة، التي تشهد عملية متسارعة لولادة السينما في السعودية، هو طرق الأثار السلبية التي خلفها التأخر عن الانطلاق، مما ينقلنا من جلد الذات إلى فهم الواقع.

السياقات والإرهاصات

أسهب عدد من السينمائيين والنقاد والمهتمين في الإشارة إلى ما تمثله السينما تاريخيًّا من قيمة مضافة في حياة الشعوب والمجتمعات، وذلك باعتبارها نقلة إبداعية ذات دلالة وقيمة ومعانٍ ساهمت في نقل المعاناة الإنسانية، من خلال تسليط الضوء على قصص المهمشين والبسطاء، بالإضافة إلى حملها همومًا كبرى على المستويين القومي والوطني؛ بصفتها إحدى أدوات الدفاع والهجوم والتأثير. وبكل تأكيد أن ما حققته السينما ليس محض صدفة أو فعل اعتباطي، بل هي نتيجة إرهاصات وسياقات وضعتها في تلك المكانة؛ نظرًا لكون الفنون والآداب منتجًا قائمًا على التفاعل والتجريب، حيث إن أساس التفاعل في المنتج الإبداعي قائم على رد الفعل، فإن لم يستفز المتلقي ما يقرأه أو يسمعه أو يشاهده، فلن يكون له قيمة تذكر. أما التجريب، فهو الضمانة التي يتم التعويل عليها لخلق عوالم تبهر المتلقي، وتجعله في حالة من الدهشة الساحرة، والتي لو فُقدت لما عاد للمنتج أي ميزة تجعله خارج المألوف، سواءً في صناعته أو في الأثر المرجوِّ منه. وبناء عليه يأتي السؤال الجوهري: كيف تتشكل وتنشأ السينما محليًّا؟.

هناك نقطتان للإجابة عن هذا السؤال، الأولى هي المحصلة الثقافية والمجتمعية التي تتكئ عليها الأمة عند التعريف بنفسها. أما الثانية فهو مدى تنامي الفن السينمائي كظاهرة نشطة وفاعلة اجتماعيًّا. بالنسبة للنقطة الأولى، فبلا شك أن كل أمة من الأمم تمتلك تاريخًا وحضارة تعتز وتفاخر بها، وذلك الإرث يتراكم نتيجة أحداث مفصلية على كافة المستويات والأصعدة، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.. وهي فعليًّا المعين السينمائي الذي لا ينضب؛ لكون تلك الأحداث، بما تحمله من قصص تسهم في تشكيل المخيلة الاجتماعية، وهي الإرث الذي يعول عليه السينمائي عند تقديم رؤيته التي يحملها عند تعريف نفسه، فتصبح أفلامه نافذة يمكن من خلالها التعرف على تلك الأمة، واكتشاف هويتها وعوالمها المختلفة، وليست أفلامًا لا تستطيع أن تميز هويتها عن غيرها من الأفلام السينمائية الأخرى، بدءًا من الموضوع وانتهاءً بالمعالجة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الهدف الرئيسي من النهل من هذا المعين ليس تقديم فن ملحمي، ولكن تقديم فن مشبع بالقيم التي تمثل الناس، وتعبر عنهم في مختلف أطر حياتهم المتعددة. مع التأكيد على أن ذلك لا يتنافى مع العالمية التي تشكل هاجسًا لدى البعض، فأنت كسينمائي لن تصبح بزعمك عالميًّا، وأنت عينك تعكس مجتمعًا لا يربطك به سوى انبهارك به، بينما الطريق السليم لراكب موجة العالمية تلك، هو الانطلاق من المحلية التي تتقاطع بالضرورة مع شعوب وثقافات مختلفة. عند تقديم المعاناة الإنسانية.

أما عن سياقات تنامي فن السينما في المجتمع فلها مساران، الأول: نشوء تجمعات نوعية، والثاني هو الإقبال على حضور الأفلام السينمائية. وبخصوص المسار الأول؛ لا شك أن المجتمعات التي تميزت لم تتميز لأنها قررت ذلك، بل لأنها عكفت على تطوير أدواتها على أسس متينة للوصول إلى نشوء مدرسة خاصة بها، وتعبر تلك المدرسة عن سياق هذه الحالة ثقافيًّا ومعرفيًّا. إن النجاح في بلوغ هذه المرحلة سيعزز فكرة محلية السينما، فهي عندئذ لم تعبر عن نفسها من خلال الموضوع والمعالجة فقط، ولكنها قدمت نموذجًا متماسكًا يلج إلى عمق الرؤية الفنية، ويستخلص الصورة من زاوية مختلفة، ويقدمها للعالم كقيمة إثرائية. أدرك أن الوصول إلى هذه المرحلة بحاجة إلى جهد استثنائي، إلا أن هذه النقطة هي ما يُجذر السينما محليًّا، ويجعل لها هوية موضوعية وفنية. 

أما سياق الإقبال على حضور الأفلام السينمائية، فلهذا دلالة وفائدة. أما الدلالة فهي تجاوز مرحلة الرفض للجديد والانتقال إلى القبول به في الهواء الطلق، أي أن توجد مبانٍ تدشن عروضا للأفلام، ويكون هناك عوائد مادية واستثمارات معلنة في هذا المجال. القصد أن السينما عندما تظل حبيسة الأقبية ومطاردة بصفتها فعلًا مُنكرًا، فلا يمكن التعويل على وجود سينما حقيقة في أي بلد كان. أما الفائدة من حضور الأفلام السينمائية فهي منصبَّة في التجاوب مع الفيلم بصفته رافدًا ثقافيًّا يقدم بقالب ترفيهي، واعتباره لا يخلو من الدلالات والمعاني التي تتفق معها أو تختلف عليها.

أن ما حققته السينما السعودية ليس محض صدفة أو فعل اعتباطي، لكنه نتيجة إرهاصات وسياقات وضعتها في تلك المكانة.

الطريق السليم لراكب موجة العالمية هو الانطلاق من المحلية التي تتقاطع، بالضرورة، مع شعوب وثقافات مختلفة؛ عند تقديم المعاناة الإنسانية.

ماذا يصنع السينمائيون السعوديون؟

يستحيل أن ينكر أي متابع للشأن السعودي وجود توجُّه رسمي واضح لدعم قطاع السينما؛ بحكم اتساق ذلك مع أهداف رؤية 2030. وبلا شك أن هذا التوجه جاء في مصلحة العاملين بهذا القطاع، عبر تذليل الصعوبات، وتوفير الدعم المادي والمعنوي والدعائي، ما أثمر عددًا من الأفلام التي تعتبر باكورة الإنتاج السينمائي السعودي.

ولا يعدُّ الجيل الذي يتولى شأن صناعة السينما حاليًا امتدادًا لأي جيل سبقه، فالسابقون كان لهم مصير مختلف، فبسبب عدم نيل الاعتراف والسماح لهم بالتواجد في السوق المحلي، حدثت فجوة هائلة بين الأجيال؛ لذلك فإن التوصيف الأمثل لما ينتج الآن هو مرحلة الاكتشاف والبحث عن الذات، بينما الواقع الذي يمثله عدد من الأفلام، هو أن توصيف المرحلة الحالية بأنها مرحلة التقليد والمسارعة للحاق بالركب. ولا يمكن القول بأن التقليد أمر سيئ بحد ذاته، إلا أنه مؤشر على فقدان البوصلة، وعدم التأكد من هدف السينما الحقيقي على الفرد والمجتمع.

بوستر فيلم ملك الحلبة

مثال ذلك أفلام “سطار”، “ملك الحلبة”، “رأس برأس”.. التي على الرغم ما حققته من نجاح جماهيري في صالات السينما ومنصَّات العرض، إلا أن ذلك النجاح لا يعتد به فنيًّا. ولا شك أن هذه الملاحظة لا تروق لصناع الأفلام الذين يرون أن معيار النجاح هو لغة الأرقام، إلا أنه من المعلوم أننا في زمن يسهل فيه تحقيق أرقام فلكية، سواءً على مستوى السينما أو المنصات الرقمية. كما لا يجب أن نغفل أن الجيل المتلقي لهذه الأفلام هو نتاج سياقات مشتركة مع صناع الأفلام أنفسهم؛ لذلك لا يعتدُّ بهذه الأرقام عند استقرائها وتقديم نقد لها.

فيلم سطار

تشترك الأفلام السالف ذكرها في أنها غير نابعة من صميم المجتمع الذي تمثله، فـ “سطار” و “ملك الحلبة” فيلمان يتشابهان في مضمون القصة، وهي رغبة شاب سعودي في أن يكون لاعب مصارعة حرة، ومما هو معلوم أن تلك القصة تقع في سياق أمريكي صرف، حيث إن المصارعة الحرة هناك لها شعبية جارفة، ومسابقات تسهم في غرس حبها بنفوس الأجيال الناشئة، وعلى النقيض من هذا لا يوجد شيء منه في مجتمعنا؛ لذلك جاءت المعالجة الدرامية عبر خلق عوالم متوارية كمسرح للأحداث. أما فيلم “رأس برأس” فقد قام هو الآخر بخلق مدينة من عدم، وراح يحيك فيها خيوطه الدرامية للإشارة إلى الانفلات القيمي والأخلاقي. إن القاسم المشترك بين الثلاثة أفلام التي حققت إيرادات عالية، هو أن أحداثها لا تدور في الشارع السعودي، وبالتالي فهي لا تناقش ما يجري فيه من قصص وأحداث ومعاناة، بل يتم الهروب فيها إلى الفنتازيا لمحاكاة ما تربى عليه هذا الجيل من أفلام هوليود؛ كونه يراها النموذج الناجح في صناعة الفيلم السينمائي!

فيلم حد الطار

وعلى النقيض من هذه الأفلام المقلدة للنموذج الأمريكي، نجد فلمَي: “حد الطار”، “أغنية الغراب”، حيث يؤكد الأول على إمكانية صناعة فيلم محلي يحاكي ما يجري في المجتمع، ومع ذلك يحقق نجاحًا جماهيريًّا. علمًا أن الفيلم يشوبه الكثير من الملاحظات، إلا أنه يحسب له أنه فيلم سعودي في موضوعه ومعالجته. أما الفيلم الثاني فهو مثال على أن الرغبة وحدها في صناعة فيلم محلي لا تكفي؛ خاصة عندما تخرج الأمور عن السيطرة بسبب الإسهاب في خلق الرموز والإسقاطات دون الجرأة على الربط بينها.

فيلم أغنية الغراب

ختامًا، من المتوقع من هذا المخاض الذي تعيشه الآن السينما السعودية، أن يتم فرز هذه النتائج؛ لذلك فمن المهم أن يعي صناع الأفلام أن الأرقام ليست مؤشرًا على جودة أفلامهم، وأن هناك حاجة للانكباب على قراءة قصص مجتمعهم قبل المجتمعات الأخرى، فنحن كبقية الأمم لدينا أرث من الممكن توظيفه سينمائيًّا، سواء عبر أفلام قصيرة أو طويلة، مثلما حدث في “دار حسمى”، “جناحا زرقاء اليمامة”، “وجدة”، “ترياق”، “عايش”، “المدرسة القديمة”، “الاستشراف”، “شريط فيديو تبدل”، “سليق”، “شدة ممتدة”، “زبرجد”.. إلخ.

من المهمِّ أن يعي صناع الأفلام أن الأرقام ليست مؤشرًا على جودة أفلامهم، وأن هناك حاجة للانكباب على قراءة قصص مجتمعهم قبل المجتمعات الأخرى.

فاصل اعلاني