• English
  • 21 يونيو، 2024
  • 11:04 م

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

2 April، 2024

إبراهيم العريس

حتى من قبل أن تلتقي به وتتعرف عليه عن قرب بشكل أفضل، يلفتك في روايته الأولى “حفرة إلى السماء”، بُعدان يبدوان لك مبهمي الجذور بعض الشيء، وبخاصة إن نظرت إليهما؛ انطلاقًا من كون الكاتب الروائي الذي تطالعه كجزء من اهتمامك بالفورة اللافتة، التي عرفها الفن الروائي في السعودية خلال العقود الأخيرة، لا يزال فتيًّا. البعد الأول هو تلك الهندسة العلمية التي تكاد تكون تقنية وصارمة في أسلوبه الروائي، والتي تحكم ذلك الأسلوب من موقعين: موقع عمراني بحت يمكنّه من هندسة طوبوغرافية المكان بشكل يكاد يكون موسيقيًّا وأوركستراليًّا في توزيعه؛ وموقع أسلوبي يجعله، في سياق روايته، يترك بعض الأمور والمواقف معلقة، فتخاله قد نسيها أو فقد اهتمامه بها، أو توخى فقدان قارئه له، فإذا به يعود إليها لاحقًا في لحظات حاسمة من روايته؛ لأنه يرى أن تلك اللحظات أكثر جدارة بها؛ أما البعد الثاني فهو السمة البصرية المدهشة التي تطبع الرواية نفسها، ما يجعلها تبدو في بعض لحظاتها وكأنها سيناريو سينمائي ضل طريقه.

رواية حفرة إلى السماء

في رواية “حفرة إلى السماء” لعبد الله آل عياف ثمة بُعدان أساسيان هما الهندسة العلمية والرؤية البصرية.

لقاء في السويد
والحقيقة أن هذين البعدين يكونان في جولة في رأسك وأنت توشك أن تلتقي عبد الله آل عياف (القحطاني إذا توخينا تحديدًا أدق)، وقد أضحى مديرًا تنفيذيًّا لواحدة من الهيئات الرسمية، الأكثر حضورًا منذ ذلك الحين، في الحياة الاجتماعية السعودية، كما في الأخبار السينمائية العالمية بصورة عامة، هيئة الأفلام السعودية، متسائلًا عن كيف سيبدو وعمَّا سوف يحدثك ما إن يراك. وكان اللقاء في السويد في مهرجان مالمو السينمائي، الذي كان في ذلك الحين واحدًا من أولى منطلقات السينما السعودية الناشئة على الساحة الأوروبية. ثم ما إن تلتقي القحطاني، حتى يتضح لك كل شيء: من ابتسامته المشعة والخجولة بشكل سيبدو لك أول الأمر مفتعلًا، ستتنبه ومهما كانت ذاكرتك قصيرة وعمرك متقدمًا، أنك سبق أن التقيت به وغالبًا في البحرين، في إحدى المناسبات الحلوة التي كانت تبدع في خلقها الصديقة مي آل خليفة.
كان عبد الله حينها فتى يبدو بهدوئه ونظراته الفضولية وكأنه خارج لتوه من المراهقة. وبسرعة يدور الحديث بينكما حينها عن السينما وشغفه بها، لكنه لن يخبرك أن مهنته الأصلية مهندس ميكانيكي، بل ربما لم تكن قد صارت مهنته بعد وعمله الأول في شركة آرامكو الضخمة. ولاحقًا في لقاء مالمو ستدرك أن كونه مهندسًا ميكانيكيًّا، وشغوفًا بالسينما في وقت واحد، هما تحديدا البعدان اللذان حوما حول نظرتك إلى “حفرة إلى السماء” حين قرأتها.

بقدر ما تعود بك اليوم الذاكرة إلى الوراء سيخيل إليك أن “آل عياف” حين التقيته في المنامة البحرينية قبل نحو دزينة من السنوات، كان يفكر بواحد من أفلامه القليلة والأساسية التي حققها لاحقًا، وهو الفيلم الذي يتابع حكاية الشاب السعودي الذي يقطع 500 كيلومتر في رحلة من مدينته السعودية إلى البحرين، لم تكن غايته منها سوى مشاهدة فيلم جديد كان ينتظره منذ فترة، ولا يمكنه أن يشاهده إلا في تلك المدينة الجارة.
لاحقا سيبدو لك الفيلم الذي حققه ذلك المخرج الشاب، الذي ربما ستكون نسيت اسمه، لكنك أبدًا لم تنس ابتسامته ولا شغفه السينمائي، ممتعًا. لكنه سيبدو لك في الوقت نفسه احتجاجيًّا بامتياز. اليوم تبقى منه متعته المطلقة، لكنه قد يبدو على ضوء ما حدث في السعودية خلال “السنوات الضوئية” التي انصرمت، بأكثر من معنى للكلمة، قد ولت رنته الاحتجاجية. فما بدا رحلة مضنية بحثًا عن السينما في هذا الفيلم؛ لم يعد ثمة حاجة إليه اليوم. فالسينما باتت في السعودية حقيقة واقعة في سياق التغيرات الهائلة التي يعرفها هذا البلد منذ قرابة عقد من السنين. ولعلَّ شخصية عبد الله نفسها تصلح هنا، وفي مجالنا المحدد هذا، مرآة تعكس صورة تلك التغيرات. وأيضًا هنا في بعدين على أية حال.

في فيلم السينما “500 كيلومتر” نتابع رحلة شاب من مدينة سعودية إلى البحرين لمشاهدة فيلم هناك، هذا الفيلم الاحتجاجي سيبدو الآن باهتًا تماما.

صايل وعلي أبو شادي

نور الدين صايل
فمن ناحية ها هو صاحب الشغف السينمائي يمسك بمقدرات هذا الفن المدهش، في نهضته الأكثر إدهاشًا في هذا البلد. ولعل الأكثر إثارة للدهشة في هذا السياق هو ما بدأ كثير من “مخضرمي” الحياة السينمائية العربية يرونه، من خلال ممارسات هذا الرجل العملية، ومن خلال أقواله ووعوده وتصريحاته ونواياه الطيبة، حتى أنه يكاد يجسد في شخصه وديناميته وشغفه؛ سلفين كبيرين شغلا موقعين مماثلين لموقعه في بلدين عربيين، سبقا بلده في المضمار السينمائي. ولعله يجسدهما دون أن يكون قد تعرف عليهما فعلًا أو عايشهما، كي نقول إنه نهل منهما دروسهما: المغربي نور الدين صايل، والمصري علي أبو شادي.
الأول حين أمسك بمقدرات السينما المغربية، آتيًا من تجربة فرنسية مدهشة، ومن شغف سينمائي أكثر إثارة للدهشة، فأعاد إحياء الفن السابع ومهرجانته في المغرب، وتفاعل الجمهور المحلي والعربي معه طوال ما لا يقل عن عشر سنوات، باتت فيها السينما المغربية صنوًا لتلك المصرية.

علي ابو شادي
والثاني، حين ارتقت به التراتبية البيرقراطية المصرية ليمسك مقدرات نفس ذلك الفن في البلد العريق، فيثبت أن المشاريع العظيمة رهن بـ”المجانين” الذين يحملونها على أكتافهم وفي عقولهم، كما في قلوبهم، مدافعين عنها بكل ما ملكت أيديهم.
ولعلنا لا نعدو الحقيقة هنا إن نحن عدنا إلى بداية كلامنا لنشير إلى أن القدرة على الهندسة والغوص في الشغف هما ما صنعا قوة الصايل وأبي شادي، ومكنا كلًّا منهما من تحقيق مشروعه قبل رحيل مؤس ومدوّ، متزامنًا تقريبًا بينهما هما اللذان كانا أقرب صديقين من بعضهما البعض على أية حال، وكان يمكنهما أن يكونا من أصدقاء عبد الله آل عياف المقربين رغم فارق السن، وهو القادر على خلق الصداقات والحفاظ عليها.

لعل الأكثر إثارة للدهشة هو التشابه الذي لاحظه بعض المخضرمين بين مسيرة آل عياف ومسيرة كل من المغربي نور الدين صايل والمصري علي أبو شادي.

غياب الأنا عن خطابه
لسنا ندري بالطبع ما إذا كان عبد الله آل عياف قد تعرَّف إلى تجربة سلفيه الكبيرين في التفاصيل وعن كثب. لكننا نعرف تمامًا أنه يسير على دربهما. ولكن – وهذه نقطة لصالحه بالتأكيد – بقدر أكبر من الشاعرية، وبتلك الأريحية المأثورة عن أهل منطقته مندمجة، في لطف يبدو نابعًا من تربية عائلية ذات علاقة بتراث آبائه في مجال القضاء. والحقيقة أن هذا البعد الأخير يحكم ما لدى هذا المسؤول، من ميل إلى عدم الإفراط في الوعود، مع ميل، لا بد من رصده، لغياب الـ “أنا” عن خطابه، على عكس العدد الأكبر من المسؤولين التنفيذيين العرب. وتلكم على أية حال ملاحظة دُهش حين وجهناها إليه يومًا إثر محاضرة ألقاها حول واقع السينما السعودية وآفاقها المستقبلية، متسائلًا ببعض براءة قد يخيل إليك أول الأمر أنها مدروسة بعناية: “ترى أولًا يجب على الأمور أن تكون هكذا؟” مردفًا أنه يفضل أن يحتفظ بالـ “أنا” لأفلامه ورواياته المقبلة كجزء من فعل إبداع على أية حال. وحين نسأله متى نشاهدها أو نقرؤها إذن؟ يبتسم ولا يجيب.
فالحقيقة أن عبد الله آل عياف يفضل اليوم، ولو بشكل غامض، أن ينحي كل ما له علاقة شخصية به جانبًا. فهمه الآن أن يحقق ما وعد نفسه به، وما ينتظره منه على الأقل مئات من الشبان السينمائيين السعوديين، وربما العرب أيضًا. لكنه يحرص على متابعة نتاجات كل هؤلاء، وأحيانًا في التفاصيل التي لا يريد أبدًا أن يراها مملة. والمثال الأسطع على ذلك، بالنسبة إليّ، قد حدث ذات يوم حين شاهدنا في صالة واحدة فيلمًا سعوديًّا من إخراج شاب عشريني. كان الفيلم مميزًا، لكنني حين سألني العياف كصديق عن رأيي في الفيلم قلت له ببساطة أن ثمة مشهدًا واحدًا لو لم يكن هناك غيره لاعتبرت الفيلم تحفة. ابتسم مليًّا وقال: “دعني أخمن ما هو هذا المشهدّ”، ثم راح يصف نفس المشهد، الذي كان في بالي ولم أحدثه عنه، على الفور، وصفًا دقيقًا وسط دهشتي. ترى أليس هذا هو الشغف؟ ودقة وصفه للمشهد، أليست على علاقة بكونه في الأصل مهندسًا؟

أشعار المتنبي

بوستر فيلم 500 كليو
غير أن الشغف السينمائي والدقة الهندسية لا تمنعان هذا المثقف الكاتب الحالم، الذي لا يجد بأسًا اليوم في تحوله إلى إداري ذي رسالة، لا تمنعانه من تمضية جزء من وقته اليومي في قراءة أشعار المتنبي، الذي لم نكفَّ عن الحديث عنه وعنها، منذ اكتشفنا مع لقائنا الأول مدى شغفنا المشترك، ليس فقط بأشعار المتنبي، بل حتى بشخصيته ولغته. ولعل الذاكرة تعود إلى ذلك اللقاء القديم في البحرين، حيث كان المتنبي ثاني موضوع للحديث بيننا، بعد السينما التي اجتاز بطل فيلم العياف “500 كيلومتر” كي يشاهد أحد أفلامها هناك، وهو الذي لم يكن يعرف حينها أن يومًا سيأتي وينتقل فيه بحرينيون عابرين كيلومترات كثيرة كي يشاهدوا أفلامًا جديدة في الرياض أو جدة. أفلامًا من تلك التي يراهن عليها العالم اليوم، وتجتذب طاقات ومواهب سعودية، يجد آل عياف من الوقت ما يمكنه من رعايتها، دون وعود كبيرة على أية حال.
فهو إذا كان قد استوعب جيدًا دون أن يصرح بذلك، أو ربما دون أن يخطر في باله أن يفعل، دروس نور الدين صايل وعلي أبو شادي، فلا شك أن في ذهنه ما ينبهه دائمًا إلى تلك الدروس الأخرى، والأكثر سلبية، وبالتالي الأكثر إثارة للقلق، تلك الدروس التي تعلمها من كل تلك المهرجانات والمؤسسات السينمائية الخليجية، التي قامت وسط بهورات كبيرة ووعود أكبر وانتفاخات أضخم، لتخبو بعد ذلك تدريجيًّا وغالبًا دون إنذار مسبق أو مقدمات. بالنسبة إليه، إذا كان من المشروع اليوم والمأمول أن تتجدد تجارب أثبتت نجاحها، واستحقت بالتالي أن تحارَب تبعًا للتقاليد العريقة في عالمنا العربي، الذي يكره الصدق والنجاح، فمن الضروري في المقابل استيعاب دروس البهورات الخليجية السابقة التي انتهى الأمر بها إلى ألا توصل إلى أي مكان.
صحيح أن عبد الله آل عياف يمكنه إن حدث ذلك، وهو يأمل طبعا ألا يحدث، حيث يقول “وأنا هنا يمكنني أن أضمن أنه لن يحدث، لأن السعودية تنظر إلى الشأن السينمائي بالجدية التي ينظر بها الآخرون إلى الصناعات الثقيلة والاقتصاديات البديلة النافعة”، يمكنه أن يتنفس بعض الصعداء أخيرًا فيعود إلى ذاته، وإلى أناه الإبداعية فيثنّي على روايته الأولى، ويستكمل مساره السينمائي، محققًا وعودًا أحالها إلى سبات شتوي في المجالين. فالرجل في نهاية الأمر مبدع حقيقي، أوقف ملكة الخلق الشاعرية الأدبية السينمائية لديه؛ لأنه يعرف أنه إذا كان قد وُضع اليوم في المكان المناسب، فما هذا إلا لأن السينما في بلده ليست ترفًا ولا وسيلة للتبهور، بل ضرورة إبداعية مهنية، وربما اقتصادية وثقافية، بات لا غنى عنها، في عالم تعرف السعودية اليوم أنه عالم الصورة أولًا وأخيرًا. وحبذا لو تتضافر الصورة بشغفها الخلاق مع ذلك الهوس الهندسي الذي يصنعها فيما هي تصنعه، حتى ولو أمعنا في تأجيل الأنا وإبداعاتها لمناسبات مُقبلة أخرى!

إذا كان من المشروع أن تتجدد تجارب أثبتت نجاحها، فمن الضروري استيعاب دروس البهورات الخليجية التي انتهت بعدم الوصول إلى أي مكان.

فاصل اعلاني