• English
  • 16 يونيو، 2024
  • 9:45 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

رامي عبد الرازق

4 December، 2023

رامي عبد الرازق

في ليلة 11 مايو، وعلى مسرح مركز الملك عبد العزيز الثقافي (إثراء) بالظهران، وقف الأخوة سعيد (حسن وعلي ومجتبى) بابتسامة واحدة يتلقون تحية جمهور حفل توزيع جوائز الدورة التاسعة لمهرجان الأفلام السعودية (الدمام 4-11 مايو)، وسرت صيحات التشجيع، وتحيات الاستحقاق لاستحواذ العائلة الفنية على أربع جوائز كبرى بالدورة المهمة؛ النخلة الذهبية لفيلم سماء واحدة كأفضل وثائقي طويل إخراج مجتبى، ولجنة التحكيم الخاصة لوثائقي ملك الصحافة، سيناريو علي وإخراج حسن، والنخلة الذهبية للروائي القصير “ترياق”، الذي هو أيضًا من كتابة وإخراج التوأم علي وحسن.
الابتسامة الواحدة التي تشكَّلت على وجوه الأخوة الثلاثة ليلة حفل توزيع الجوائز، تعكس جزءًا من جوهر تجربتهم الفنية المميزة ضمن الحالة السينمائية السعودية، ليس فقط لكونهم ثلاثة أخوة، لديهم نفس الميول الإبداعية تقريبًا- كتابة وإخراج- بجانب الإنتاج والتصوير أحيانًا. وهي حالة لم نرها تتكرر كثيرًا على مستوى المملكة، ولا على مستوى الدول التي تمتلك صناعة سينمائية كبيرة ومتجذِّرة.
إن وجود ثلاثة إخوة يمارسون العمل السينمائي ليس نقطة تفوق في حدِّ ذاته، ولكن لأنه يمكن الجزم أن ثلاثتهم بالأساس لديهم مشروع متقارب الملامح، يمكن أن نلمسه عبر تجاربهم التي تمتد لأكثر من عقد كامل- من قبل حتى بداية زمن الانفتاح الثقافي للمملكة في السنوات الأخيرة- سواءً كانت التجارب روائية قصيرة أو وثائقية طويلة، كتلك التي حصدوا بها جوائز دورة مهرجان الأفلام الأخيرة.

عين الطفل

في عام 2012 قدم مجتبى فيلمه الروائي القصير “ليمون أخضر”، من كتابة أخيه علي، وبطولة الممثل السعودي المخضرم إبراهيم الحساوي، في هذه التجربة التي يمكن اعتبارها ضمن ضربات البداية، يمكن لنا أن نخضع خلايا العمل لتدقيق جيني، قد يمنحنا مفتاحًا لقراءة مشروع الأخوة سعيد. “ليمون أخضر” فيلم ينتمي للدراما النفسية، لدينا جاسم بائع السمك الذي يعاني من حالة إنكار كاملة، ذات مستويين متجذرين في أعماقه، الأول إنكاره أن خال ابنه عادل، وهو نفسه صديق عمره منذ الطفولة، قد مات إثر حادث سيارة، والثاني هو إنكاره أن ابنه عادل المسمَّى على اسم خاله هو الآخر، قد توفى عقب وفاة خاله! ربما نتيجة سوء حالته المرضية بعد فقدان سَميِّه الحبيب.
يلعب الأخوان علي ومجتبى في الفيلم لعبة التفتيت الزمني؛ لضمان بقاء اختفاء كل من عادل الصديق وعادل الابن، سرًّا طوال الوقت، سواء على جاسم أو علينا نحن كمتلقين، لا نرى الأحداث من وجهة نظر جاسم، ولكن من وجهة نظر راوٍ عليم تختلط الأزمنة عمدًا أمامه، فتارة نرى الكل يشفق على جاسم؛ من جراء تأكيده المستمر على أن عادل سوف يحضر، وأنه تأخر وأنه بخير، وتارة نرى عادل نفسه وهو يتحرك بمفرده في سياقات حياتية عادية، تجعلنا لا نشك في وجوده على قيد الحياة!، كأن نراه في السوق ينتظر جاسم، أو عند أحد التجار يطلب منه استعمال هاتفه الأرضي للسؤال عن ابن أخته المريض!
يمثل الأطفال أو الطفولة كزمن وذكريات ومساحة إنسانية جزءًا أساسيًّا من سردية الأفكار التي يطرحها الأخوة سعيد في كثير من أعمالهم، فجاسم حين يتراءى له طيف صديقه الراحل نراه ينظر إلى طفلين يلعبان على شاطئ البحر، ويستعيد حواريًّا زمنه الأول مع عادل حين كانا لا يزالان في مثل أعمارهم، وهو نفس عمر عادل الابن الذي نكتشف أنه لحق بخاله عقب وفاته!
هل حزن جاسم نابع من شعوره بأن جزءًا من طفولته وذكرياته قد مات بموت عادل! هل يمثل عادل الصغير هذا الجزء الطفولي النقي الجميل في حياة جاسم! إننا نرى الطفل يسأل عن حمَام الدار طوال الوقت، ويرغب في الصعود للعشَّة وهو على فراش المرض! بل تراه أمه وهو يلاعب حمامات جميلة في خياله! لأن الحمام هو قاسم مشترك بين طفولة عادل الصغير وطفولة جاسم وعادل الكبير، حين نراهم يختبئان عند عشة الحمام ليمارسا شقاوة الطفولة بشرب السجائر.
فيما بعد سوف يصبح للأطفال مكان أساسي في سرديات الأخوة سعيد، سوف يعود مجتبي في عام 22 ليقدم فيلمه الروائي القصير “زوال”- كتابة وإخراج- الذي يحصد جائزة النخلة الذهبية لمهرجان الأفلام في دورته الثامنة، ويلعب فيه الطفل آدم المعزول مع أمه المتدينة في غرفة صغيرة، وقت انتشار فيروس مميت- ربما كورونا أو غيره-، ويبدو آدم- الذي يحمل اسم أول إنسان خلقه الله- كآخر طفل على الأرض، في كابوس ديستوبي لا يدرك سوداويته، بينما يرى جنود العزل تطارده وتطارد جيرانه، في حين نسمع صوت أمه يناديه بحثًا عنه خوفًا على أمنه، وطمعًا في أن يكون بخير، بل إن الفيلم نفسه ينتهى بنداء آدم على أمه، كأنه ينادي على الحياة التي من المفترض أن تحتوي عمره الصغير كي يكبر ويُزهر، لا أن ينتهي في غرفة ضيقة بشاشة تلفاز تعرض صورًا للكعبة، حيث كل ما بقى من أمل في السماء.
وفي فيلمهم الروائي القصير “ترياق”- لعلي وحسن- سوف يلعب الطفل حامل الكاسيت دورًا أساسيًّا في الشفاء الروحي للمغنى العجوز المصاب بداء في حنجرته الذهبية، والتي تمثل أجمل ما في زمن الطفل مقابل جلافة التشدُّد، وقسوة التزمُّت الذي يرى الغناء الجميل أمرًا محرمًا، يصل إلى حدِّ أن يضع ابن المغنى العجوز عود أبيه في كيس زبالة أسود؛ لكي يخفيه عن عيون الجيران المتبجحين باستنكارهم لمهنة الأب، وتعاليهم الإيماني على ممارساته للغناء (الحرام)!
يبدأ “ترياق” بطفل يتسلل ليسرق جهاز كاسيت من أبيه، ويتسرب خفيفًا لواحدة من ونَّاسات الطرب، حيث يغني المطرب العجوز رائقًا قبل أن يداهمه السعال، فيسجل له مقطعًا من غنائه الجميل، ويستمر في مطاردته البريئة له حتى في بستان أحد أصدقاء المغني، إلى أن يلمحه الصديق وينهره طالبًا منه الرحيل.
تلعب الطفولة سواء كانت مستدعاة- كزمن أو كشخصية- دورًا أساسيًّا في علاقة الأخوة سعيد مع الماضي، هي ليست فقط ذاكرة أبطالهم التي ربما تختلط بذاكرتهم الشخصية، ولكنها الجسر الشفاف الذي يصل تجاربهم ببعضها، ويصل شخصيات أفلامهم بماضيها وماضيهم، والتواصل مع الماضي مهما كان ناعمًا كابتسامة لامعة، أو موجعًا كحد جارح، هو أيضًا جزء من سردية الأخوة الثلاثة.
المغنى نفسه في “ترياق” يغني للماضي الجميل الذي لم يعد الزمن بعده كما كان، للأيام الحلوة الغابرة التي لا ترياق يمكن أن يشفى مرارة فقدانها سوى استعادتها عبر الغناء.
المخرج حسن سعيد يتسلم النخلة الذهبية عن فيلم ترياق

لون الماضي

يبدو الماضي في مجازته العديدة ركنًا أساسيًّا لمحاولات الحكي لدى الأخوة سعيد، دائمًا هناك حدث ما في الماضي، سواء القريب أو البعيد، يضغط على شخصيات أفلامهم فيهربون منه أو يهربون إليه، عبر مختلف تجاربهم هناك دومًا تلك النبرة الاستعادية، سواءً كان الماضي زمنًا تتحرك فيه الشخصيات مثل ترياق – الذي يبدو زمن طفولتهم-، أو مسارًا كاملًا لحياة شخصية يتم استعادته بالحكي المفصَّل عنها، كما في ملك الصحافة، أو الماضي كلون قاتم، تحاول الشخصية التحرر من دسامته الجاثمة فوق روحها، كما في ليمون أخضر، حيث جاسم يهرب من مواجهة قطعة الماضي، التي تذكره بفقدانه لصديقه وابنه، أو كما يحاول حامد الهرب في رقم هاتف قديم.
بينما يرتدي حامد زي الإحرام راكبًا سيارته في طريقه إلى مكة ليعتمر، ينهض من خلفه فجأة في المرآة طيف كلبه الأسود، الذي تخلى عنه لأحد أصدقائه، منطلقًا في رحلة التخلي عن الماضي، حاجًّا لمستقبل مجهول! يلخص هذا المشهد أزمة البطل في الروائي القصير “رقم هاتف قديم” من كتابة وإخراج علي- فيلم افتتاح الدورة الثامنة لمهرجان الأفلام-، حيث يجسد طيف الكلب الظاهر في مرآة السيارة، هيئة متعلقات الماضي التي يحاول حامد أن يهرب منها، ضمن أزمة سؤال منتصف العمر القاسي (ماذا فعلت فيما فات؟ وماذا سأفعل فيما هو قادم؟).

فيلم رقم هاتف قديم
يقول الشاعر مظفَّر النواب صاحب قصيدة “رقم هاتف قديم” المأخوذ عنها الفيلم
وأدرتُ الأرقـامَ الممسـوحةَ مـراتٍ
مراتٍ رد الصمـت
لقد كانوا بالأمـس هنا
ما تركـوا شـيئـًا يـُذكـر ُ
غـير الصـمت

في محاولة للتغلُّب على هذا الصمت؛ يدير حامد كاسيت السيارة فتنطلق أغنية مفعمة بالمشاعر والإيقاعات، ومع تفاعله معها تبدو هيئته كحاج يقود سيارته متمايلًا، بينما هو في طريقه للمشاعر المقدسة! لكن هذا التمايل والانسجام ما هو إلا تجسيد لحالة الشخصية في صورتها المجازية، هذا رجل يصفِّي أعماله المادية، ويتخلَّص من كلبه الأسود الوفي- رمز ماضيه- ويرفض أن يتلقى اتصالات على رقم هاتفه القديم، ويدعي أنه ليس الشخصي المطلوب، ثم يخلع ملابس الدنيا، ويرتدي زي الإحرام بكل دلالاته التطهيرية، ولكن الصمت الذي يفتن رأسه بالسؤال يؤرق أشباحه الداخلية، فيحاول أن يكسره بصوت الأغنية، لكن طيف الكلب/الماضي يهاجم ذاكرته، فيضطر للوقوف على جانب الطريق كي يتساءل (ماذا كان علي أن أفعل كي أتحرَّر من كل الذي فات؟).

من فيلم رقم هاتف قديم
وبحثًا عن الأجوبة؛ يجد نفسه يعرج عن طريق المشاعر المقدسة؛ لكي يذهب إلى بيت حبيبته الأولى، وربما الوحيدة، بملابس الإحرام، كأن ثمة محجًّا آخر عليه أن يمضي إليه قبل أن يكتمل هروبه من الماضي، لكن الحبيبة لا تريح ضميره ولا ذاكرته، بل تطلق في وجهه السؤال الأخطر الذي لن يترك رأسه – ورأسنا- في نهاية الفيلم (إلى متى سوف تصل هكذا في المنتصف؟).
تبتعد الكاميرا عن حامد، والسؤال يرن في باله، على سلم منزل الحبيبة كمجاز واضح عن كونه معلقًا، فلا هو صاعد ولا هو هابط، مرتديًا ملابس الإحرام، كأنه لا يزال طفلًا في قماطه، لكنه طفل كبير بأخطاء كثيرة وأسئلة أكثر.

وجع الغربة وأشواك العزلة

يمكن الجزم أيضًا أن شخصيات أفلام الأخوة سعيد، سواء في أفلامهم الروائية أو الوثائقية، تعاني من صفتين أساسيتين، مهما تلونت جلودهم أو عيونهم أو السنتهم؛ الاغتراب والعزلة. شخصيات أفلامهم في مجملها إما مغتربة عن واقعها، أو ماضيها، أو حاضرها، أو جغرافيتها، بينما تضرب العزلة حولها أشواكًا غير مرئية تلسع أرواحها برؤوسها الشفافة المدببة، فيبدو الألم غير محدَّد الأسباب بالنسبة لمن يحيطون بها. “في ليمون أخضر” ألا يبدو جاسم شخصية تعاني من اغتراب عن الوعي والحاضر؛ نتيجة هروبه النفسي من صدمة فقدان الصديق والابن، ألا يبدو منعزلًا في وقوفه فوق شاطئ البحر ظنًّا منه أن صديق طفولته يجلس بجانبه، بينما نراه يقف وحيدًا من عيني زميله في السوق، الذي يطلب منه أن يعود إلى البيت كي يستريح! في 2012 وكنتيجة لتواجد مجتبى في ألمانيا بحكم الدراسة، يقرر مع أخيه حسن أن يقدما مشروعًا بعنوان “بوصلة” – نلاحظ دلالة الاسم التي تحمل رغبة في كسر العزلة والاهتداء إلى طريق/قبلة يرضاها الجميع- ورغم كونه فيلمًا قصيرًا 40 دقيقة، إلا أنه يحمل بذورًا ربما يكتشف الأخوة قابليتها السردية لأنْ تتحول إلى فيلم طويل ذات يوم.
تُرسل المبتعثة الشابة التي تدرس في ألمانيا إلى زوجها كي يحضر-كمِحرم-؛ كي لا تُحرم من البعثة بحكم القانون السعودي الذي يلزمها بذلك (شرعًا)، ولكن مشعل الزوج أو القزم كما يتنمر عليه جيرانه يتسبَّب لها في مشكلات كثيرة، بحكم كونه شخصًا يعاني من عقلية بدائية، لا تستوعب طبيعة المجتمع الألماني المتطورة، والتي تختلف كلية عن المجتمع القادم منه. يعاني مشعل من شعور بالاغتراب والعزلة نتيجة أن زواجه من المبتعثة هو زواج صوري فقط؛ لضمان بقائها في ألمانيا، والحصول على راتب البعثة الذي يتقاسمه معها، بينما تعانى المبتعثة من شعور بالغربة والعزلة؛ نتيجة كونها تعيش مع رجل ليس بزوج ولا حبيب ولا صديق، بل هو مجرد إطار فارغ فرضته عليها قوانين تخاصِم الحداثة، بل ويمثل مصدرًا للمشكلات والتعقيدات الاجتماعية والإدارية.
وتدريجيًّا تؤدي غربة مشعل وعزلته إلى ظهور أعراض الازدواجية عليه! عندما يرغب في الاندماج مع مجتمع البناية التي يقيم فيها مع زوجته الصورية، فنجده يهتمُّ جدًّا بالعثور على زاوية القبلة من أجل الصلاة، بينما يحاول في نفس الوقت ودون ذرة ندم، الحصول على رقم فتاة جميلة قابلها حين صعد كي يطلب من جيرانه أن يخفضوا صوت الموسيقى ليلة السبت؛ لأنه لا يستطيع أن ينام كونه غير معتاد على هذه الجلبة المبهجة. وتدريجيًّا أيضًا تؤدي مشكلة العثور على زاوية القبلة إلى أن يبدأ مجموعة المسلمين القاطنين في البناية والحي في التشكُّك بزوايا القبلة التي يولونها وجوههم، وهنا يتسع سؤال الاغتراب والعزلة، ليشمل شخصيات البائع السوري، والحلاق الإيراني، وحتى الألماني المسلم الذي يجد أكثر من زاوية للقبلة تشير إليها البوصلات العديدة التي يبيعها في محل المستلزمات الإسلامية، وكأنه لا يوجد قبلة واحدة على المستوى المجازي.
بينما يبدو الشخص الوحيد المطمئن إلى زاوية القبلة- والتي تثبت صحة إشارته في النهاية- هو العراقي الذي لا يركع للصلاة، لكنه حاول أن يساعد مشعل بما يفهمه عن الدين، قائلا له (القبلة هنا) مشيرًا إلى قلبه.
تشبه عزلة جاسم ومشعل واغترابهما المتوطن، سواء في ميلودراما (ليمون أخضر) أو طرافة (بوصلة) نفس عزلة واغتراب أبطال التجارب المنفصلة لكلا الأخوين فيما بعد؛ (لاهث) كتابة وإخراج حسن و(زوال) كتابة وإخراج مجتبى، الأول شاب يهبط إلى مدينة غريبة، لا يعرف فيها سوى حبيبته التي يحدثها منذ عامين على الإنترنت، ولا يملك سوى رقم هاتف أرضي يتصل بها عليه، من أكشاك التليفون العمومية، فتأتيه أصوات أخرى غير صوتها، تُنكر وجود الحبيبة، أو تستنكر اتصاله بها، يئز من فوقه عواء الطائرات دلالة على بعده عن البيت، تتداخل ذكريات وصالهم الافتراضي معًا مع تصوراته عن اللقاء الذي لم يتم، يهبط على رأسه في لحظات نفسية عنيفة لبن الفرص المهدرة، مسكوبًا في لزوجة وقرف فوق دماغه المسكين.
يبدو مثل طفل يبحث عن أمه في مدينة لا تعرفه فيها حتى الحبيبة المتخيلة، التي لا تبدو، وكأنه استدعاها من ذاكرة لقائاتهم السيبرانية- نراها ككيان غير آدمي مشوش البث- بينما يطاردها بأسئلته. حسنا دعونا نتوقف هنا، ونعيد التذكير ببطل فيلم “زوال” لمجتبي، الطفل الذي يتسلل من خلف أمه كي يتسكع في المبنى الغريب الذي يعيشون فيه كسجن أو مستعمرة أو ملجأ في دولة أجنبية، وينتهي به الحال – هو أيضًا- إلى أن ينادي على أمه في النهاية! أليست المقاربة واضحة بما فيه الكفاية. يمكن أن نمد خط أوجاع الغربة على استقامته؛ لكي نصل إلى فيلم مجتبى الأخير “تحت سماء واحدة”، وهو الوثائقي الطويل الذي يتتبع عدة شخصيات تعيش مغتربة في مدن ألمانية متفرقة في اليوم الأخير لرمضان وليلة العيد، شخصيات تتصل بماضيها في بلادها الأولى عبر استدعاءات الحكي، وتتجنَّب أشواك العزلة بهذا الاندماج الذي تستغل فيه مناسبة دينية مهمة، مثل يوم الصيام الأخير، وليلة عيد الفطر؛ كي تؤكد على أن الحصار الذي يضربه الاغتراب حولها والعزلة التي قد تفرضها اختلافات اللغة أو الدين أو الثقافة يمكن أن تنكسر حاشيته، إذا ما أدركت شخصيات الفيلم – ونحن معها- أننا جميعًا نعيش تحت سماء واحدة.

بينما يصل علي وحسن إلى أقصى ضفاف الاغتراب والعزلة، عبر جرأة الطرح الذي قدَّماه في تجربتهما الوثائقية “قصة ملك الصحافة”، والذي حدَّقا فيه من خلال استعراض قصة حياة تركي السديري، رئيس التحرير الأشهر لجريدة الرياض، الملقب بملك الصحافة. هذا الرجل المثقف الموهوب الذي اضطرته الأقدار إلى أن يتعايش مع واقع مدبَّب وخشن، تحت مظلة ما عرف بزمن الصحوة، وصعود التيار المتشدد إلى أفق الحواضر السعودية، وعلى رأسها الرياض، مما أدى إلى الكثير من المعارك التي خاضها بقوة وشجاعة، وذلك بشهادة معاصريه وزملائه وأبناء المهنة الذين تربوا على يديه.

فيلم ملك الصحافة
أرشيف ضخم من الصور تنقل عبره سيناريو علي وكاميرا حسن، يوحي بحياة زخمة براقة ملونة، لكن مع تواتر المعارك، وصلابة الخصوم يروح قوسي الاغتراب والعزلة، يتسعان ليصبحا محصلة أساسية لرحلة طويلة امتدت على صفحات أشهر جريدة في المملكة، ووصلت إلى شاطئها الأخير- بصورة مجازية- من صنع القدر حين أصيب الرجل بالخرف، وكأن غربته عن مجتمعه، وعزلته الداخلية نتيجة الإنهاك المستمر؛ من أجل الدفاع عن حرية القلم، وصوت الصحافة النقي قدر استطاعته، لم يكن لينتهي سوى بتلك الحالة التي يفرضها مرض الزهايمر، التي تجعل الشخص في ملكوت باهت الملامح غير منسق الصفات وغير محدد التفاصيل، وهو ما طالعناه في المشاهد التمثيلية التي جسدت شخصية السديري في أواخر أيامه، قبل أن يرحل تاركا إرثه المديد.

إن التوقف أمام تجربة الأخوة سعيد، يمكن أن يمثل فرصة جيدة لكل من يحاول أن يتمعَّن بفهم وموضوعية، في سياق تطور الحالة السينمائية السعودية، فتجربة الأخوة الثلاثة تعكس على مستويات كثيرة جانبًا من النمو الذي تشهده مرحلة التأسيس الحالية، والتي بدأت قبل عقد أو يزيد، وذلك على مستوى الأفكار والموضوعات أو المجازات والرموز، مرورًا بتقنيات الحكي البصري، سواء في خضوعها للشكل التقليدي تارة، أو رغبتها في المغامرة سردًا وإيقاعًا وتجريبًا.

فاصل اعلاني