• English
  • 22 يونيو، 2024
  • 12:06 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

إعادة تخيّل الماضي في فيلم «وسطي»

إعادة تخيّل الماضي في فيلم «وسطي»

4 January، 2023

بقلم علي المجنوني

لا يتطلب الأمر قدرًا كبيرًا من الدراسة لملاحظة أن الكثير من الإنتاج السينمائي، والفني عمومًا، في السعودية، مهموم بإعادة قراءة الماضي، لاسيّما الماضي القريب منه. تؤدي هذه العودة إلى الماضي في الأغلب مهامّ وظيفية متعددة، بحسب رؤية كتّاب الأفلام ومخرجيها. غير أن هناك وظيفة حاسمة تكاد توجد في معظم تلك الأعمال، هي أن مساءلة الأعمال السينمائية لواقع ماضٍ قريبٍ كان يعاديها، ويحدّ من ظهورها في أحسن الأحوال، تؤسّس لوعي الفن بذاته في مرحلة مهمة، سواء انطلقت أهمية المرحلة من داخل العمل (ملامحه الجمالية الجوّانية) أو من خارجه (المعطيات السياقية التي يوضع فيها).

هذه الوظيفة المزدوجة مشروعة بكل تأكيد، بل ربما كانت نواة الرؤية الفنية التي ترتكز عليها الأعمال في بناء عوالمها. ومع ذلك فإن حصر الاعتماد على تأسيس جدارة العمل السينمائي على ضدّيّته للخطاب المهمين وتنادّه مع ما يدعو إليه ذلك قد يضعف العمل كثيرًا، إن لم يُلقِ شكوكًا حول كفاءته الفنية. ويكمن السبب في أن في سهولة تأسيس الضدّية المقصودة احتمالية انزلاق الفن من كونه فنّا إلى كونه بروباغندا. هذا ليس ذمًّا في البروباغندا بوصفها أحد انشغالات الفن ومنبع جمالياته في سياقات معينة، لكن المشكلة حين لا يمكن للفن تعريف نفسه إلا من خلال سواه، أي حين يعجز عن شرعنة وجوده من دون الاعتماد الكلّي على نقيضه في تعريف ذاته. في حالة كهذه، يستغني الفن عن كافة المقومات الجمالية أو جلّها، ويجازف بالالتفات إلى الآنيّ والمستقبلي التفاتًا إيجابيًّا ومشبعًا، في رهان غالبًا ما يخسر.

الانطلاق من الواقع

علي الكلثمي

لم تمنع هذه المخاوف من أن تتناول أعمالٌ سينمائية الماضي القريب للمجتمع السعودي، وتقاربه مقاربات متعددة ومتنوعة في طبيعتها وكفاءتها، ما يتطلب تناولها بالتحليل مساحة أوسع. أما في هذه المساحة فأسلّط ضوءًا يسيرًا على واحد من تلك الأعمال، على أمل في أن أثير نقاشًا حول علاقة الإنتاج السينمائي بمحاولات إعادة قراءة الماضي ومعالجته. هذا العمل هو فيلم “وسطي”، الذي أخرجه علي الكلثمي في عام 2016م وشارك في كتابته.

من فيلم وسطي

يعيد فيلم “وسطي” سرد حادثة واقعية، وهي مسرحية أُجهضت في عرضها الثاني على خشبة مسرح جامعة اليمامة عام 2006م من جرّاء تدخل مجموعة من المحتسبين أو المتطرفين والاشتباك مع طاقم المسرحية. وإذ يعيد الفيلم سرد هذه الواقعة فإنه لا يتوقف عند هذا الحد ولا يلتزم موضوعيًّا بما وقع فيها، بقدر ما يتخذها مسرحًا زمنيًّا ومكانيًّا لموضوعه. إنه يكثف مشروعه من خلال هذه القصة، واضعًا نفسه تلقائيًّا في الجدل الدائر حول الواقعة وما أثارته من قضايا طالما أهمّت المجتمع السعودي، بخاصة في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ومن أبرزها الحداثة والمحافظة والوسطية والتطرف ودور الفن وغيرها. ولكي نضع فيلم الكلثمي في ميزان النقد الذي استُهل به المقال، أي في سياق الحديث عن علاقة الأعمال السينمائية في السعودية بالماضي، ونقيّم مقاربته في استحضار الماضي واستجوابه، من المفيد عرض ملامح الفيلم، وتناول طريقة المخرج في تحقيق تلك الملامح.

يعيد فيلم “وسطي” سرد حادثة واقعية.. هي مسرحية أُجهضت في عرضها على مسرح جامعة اليمامة بسبب تدخل مجموعة من المحتسبين أو المتطرفين والاشتباك مع طاقم العمل.

الفن كموضوع

لعل أبرز ملامح فيلم «وسطي» يتمثل في كونه اتخذ الفن موضوعًا له. وهو والحالة هذه فن عن الفن. ويمكن القول إن هذا الملمح يميّز التجربة السينمائية في السعودية، فالكثير من الأفلام جعل موضوعه عن الفن. من تلك الأفلام على سبيل المثال لا الحصر فيلم “أغنية البجعة” لهناء العمير، وفيلم “شمس المعارف” للأخوين قدس، وفيلم “بركة يقابل بركة” لمحمود الصباغ، وغيرها. والأهم من ذلك أنه يوفر في حد ذاته فرصة كافية لقراءة فيلم “وسطي” بعيدًا عن علاقة الفيلم بالماضي ونزعته التوثيقية التي تمظهرت في مناسبتين من المونتاج السينمائي كما سأوضح أدناه.

ثانيًا، يحتل عنصر البصر مكانة مهمة في الفيلم، ويشمل ذلك البصر بمعنييه العضوي والمعنوي على السواء. يستردّ بطل الفيلم، سعد، بصره في المسرح بعد أن فقده بضع سنوات نتيجة لحالة جينية نادرة شُخّص بها. وربما كان عماه سبب وجوده في المسرح، فقد اكتسب خلال تدهور بصره قدرًا كبيرًا من الثقافة والأدب في رحلة بحث تثقيفية أشبه ما تكون بالتجربة الروحانية، كانت خير مُعين له على التعايش مع محنته، كما ألهمه العميان من الأدباء والمفكرين الذين تعرّف إليهم بواسطة قراءة الكتب ومشاهدة التليفزيون.

وهكذا فإن الفيلم قائم على استثمار رمزي للبصر، ويربطه بالإدراك والرؤية، معتمدًا رؤية إيجابية ترى في الحادثة الشهيرة ومسبباتها ونتائجها مرحلة ضرورية للإفاقة من العتمة والخروج إلى الضوء. وكأن الفيلم يقنع المشاهد بأن الجدل الذي تمخض عن حادثة كلية اليمامة لا يمكن تفاديه بل هو ضروريّ لتطور صحي للمجتمع. وربما أمكننا في هذا السياق ربط البصر/الرؤية برؤية المملكة 2030 التي دُشنت وأُعلن عنها في العام نفسه الذي أُخرج فيه الفيلم، وفي مونتاج نهاية الفيلم ما يؤيد هذه القراءة.

ثالثا، يحقق فيلم «وسطي» تدخله الفني عن طريق الكوميديا. فالضرير يستعيد بصره بفضل لطمة موفقة عن طريق الحذاء. تلك الحذاء التي لا نعلم من قذفها قلبت المسرح رأسًا على عقب، وعكست المسرح بحيث صار سعد في قلبه، يتفرج عليه المشاهدون الذين جلبهم المخرج إلى المسرح. عملت هذه الكوميديا على تفريغ شحنة التوتر الموجودة في المشهد العنيف المتكشف على خشبة المسرح، ففي الوقت الذي هرع فيه الحضور جميعهم إلى خشبة المسرح بدوافع مختلفة، كان سعد الذي نراه لأول مرة واقفًا في مكانه، تعتلي وجهه تعبيرات متناقضة في لحظة كوميدية بامتياز. وإذ يرتد إليه بصره على وقع موسيقى احتفالية، تستمر الفوضى على المسرح، بما فيها صديق سعد المطروح أرضًا.

الكثير من الأفلام السعودية جعل موضوعه عن الفن.. وهذا الملمح يميّز التجربة السينمائية في المملكة.

إغواء المباشرة

لم ينجح فيلم “وسطي” في مقاومة إغواء المباشرة، التي اتخذت طريقها عبر المونتاج والڤويس أوڤر. مع ذلك اختلف توظيف المونتاج في المرتين اللتين استخدم فيهما. في المرة الأولى جاء توظيف المونتاج الذي قدم شخصية سعد لصالح الكوميديا موفقًا. فبعد إعادة تمثيل الحادثة المعروفة نعرف عبر الڤويس أوڤر أن “هذي مو قصتنا”، ويحين تقديمُ بطل الفيلم قُبيل ثوان من حدوث معجزة استعادته البصر.

أما المونتاج الثاني لدى نهاية الفيلم فقد وقع في فخ النزعة التوثيقية، إذ سلط إضاءات متفرقة على مآلات بعض المسؤولين عن المسرحية وبعض مظاهر تغيّر واقع المجتمع السعودي، مسجلا شهادات تاريخية مقتضبة. ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن هذه التسجيلية استُغلت بذكاء في مشهد انتهى به الفيلم وراكم ثلاث شهادات فوق بعضها البعض: شهادة أولى لمسرحية جامعة اليمامة، وشهادة ثانية يقدمها الفيلم ذاته، وشهادة ثالثة لبرنامج “إضاءات” التليفزيوني الذي استضاف فيه تركي الدخيل كاتب المسرحية.

أخيرًا، يبرز فيلم “وسطي”، من جملة الأعمال السينمائية التي تنشغل بإعادة الماضي من أجل استجوابه وفهمه وتقييمه وإعادة تخيله، باعتباره عملا يستند إلى ماض شديد القرب، منطلقًا من واقعة حقيقية شديدة الصلة بالفن، ومعالجًا إياها ضمن جدل المحافظة/التحديث الذي لم يسدل عليه الستار بعد، في قالب كوميدي اعتمد فيه على المباشرة وانحرف عنها في الآن نفسه.

فاصل اعلاني