• English
  • 16 يونيو، 2024
  • 9:57 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

“وجدة”: قصةُ مجتمع.. وحلم مخرجة سعودية

“وجدة”: قصةُ مجتمع.. وحلم مخرجة سعودية

13 June، 2023

مها سلطان

يحتفي فيلم وجدة اليوم بالذكرى العاشرة على عرضه الأوّل في مهرجان فينس الدوليّ للأفلام في ألمانيا في قسم مسابقة “آفاق”، وهو الفيلم الروائيّ الأوّل الّذي تمّ تصويره بالكامل في المملكة العربيّة السعوديّة. ولكون كاتبته ومخرجته هيفاء المنصور، أوّل مخرجة سعوديّة، فقد حظى فيلمها بالعديد من الجوائز والترشيحات المحلّيّة والعالميّة.

تلا فيلم “وجدة” العديد من الأعمال التي قامت هيفاء المنصور بكتابتها وإخراجها. ويعدُّ فيلمها “المرشّحة المثاليّة” الّذي أخرجته عام 2019، واحدًا من أهم أفلامها الّتي تتناول قضايا المرأة من منظور خاصّ ومحدّد، وذلك من بين العديد من القضايا الأخرى المهمَّة، والّتي لم تذكر بعد. لعلّ هذا يفسِّر استعدادها في الفترة الحالية لإخراج فيلمها الدراميّ الطويل الحاصل على دعم من صندوق مؤسّسة البحر الأحمر السينمائيّ. والذي ‏تدور أحداثه حول مراهقة تسعى لتحقيق حلمِها وهدفها في الالتحاق بمدرسة فنّيَّة خارج السعوديّة بعد تورُّطها بزواج مدبَّر.

مشهد من فيلم وجدة
يمثِّل فيلم وجدة أوَّل ظهور بارع وحقيقيّ عن حياة النساء في المملكة، وعلى الرغم من وقوعه في عدد من التناقضات. إلّا أنَّ هذا الاختلاف يلخِّص كلَّ شيء. إنَّ عبثيّة أي فيلم أو عظمته تمنح الجمهور حقّ الموافقة أو الرفض أو النقد بداخل إطارات الفيلم وخارجه، وما هذه إلَّا طريقة عبقريّة تمنح الكثير للعمل الفنّيّ.
لو تحدثت من وجهة نظر خاصة جدا عن فيلم وجدة، فسأقول أنه عندما يبدأ الحديث عن السينما فإنني أبحث عن الأفلام الدافئة والملائمة، تلك النابعة من العيش بشكل أصيل، النابعة من الواقع، من الإنسان، ومن الكلمات المتجاهلة من قبل الآخرين. فأجد نفسي أمام أعمال تقصُّ حكاياتٍ كانت هواجس في نفس صاحبها، مما يجعلني أتساءل عن حقيقة الأشياء وشخوصها داخل القصّة.
هكذا بدأ الفيلم الروائيّ الطويل “وجدة”، في عقل مخرجته وكاتبته هيفاء المنصور، مشهد قديم لم يتوقَّف عن الإلحاح داخل عقلها. ترصد من خلاله الرحلة الطويلة لبطلتها ذات العشرة أعوام. لتصنع عملًا تدور أحداثه في المجتمع السعوديّ الّذي تحكمه بشكل أو بآخر عادات وتقاليد معيّنة ليس أغلبها بالتأكيد في صالح المرأة.
نجحت هيفاء في دمج القيود الموضوعة حول المرأة في المجتمع السعوديّ، جاعلةً منها خيوطًا تتضافر معًا لتخلق في النهاية نسيج الفيلم. عندما بدأت بمشاهدة وجدة للمرّة الأولى، وقفت طويلًا أمام الحكايات الّتي كانت تنطق بها بطلات الفيلم ونساؤه، فعلى الرغم من ثقل الموضوع الّذي طرحته، والإسقاطات على الكثير من العادات والتقاليد والتعاليم الدينيّة المتشدّدة، إلّا أنّ “وجدة” يعدُّ فيلمًا إنسانيًّا بمعنى الكلمة، استطاعت المنصور من خلاله أن تسرد الحكايات بنعومة وبساطة، محتفظة في عملها بروح خفيفة محبّبة، لا تغرق في الكآبة أو رثاء الذات.

“وجدة” فيلم إنسانيٌّ سردت كاتبته من خلاله الحكايات بنعومة وبساطة، محتفظةً في عملها بروح خفيفة محبَّبة لا تغرق في الكآبة أو رثاء الذات.

نجحت هيفاء المنصور في دمج القيود الموضوعة حول المرأة في المجتمع السعوديّ، جاعلة منها خيوطًا تتضافر معًا لتخلق في النهاية نسيج فيلمها.

النساء في أفلام المنصور
تقول هيفاء في حوار سابق لها: “أنا امرأة سعوديّة، أصنع أفلامًا تعبِّر عنّي وعن ذاتي، وأبحث عن قصص ممتعة وحقيقة تُتيح للمشاهد أن يتعرَّف على مجتمعي ويفهمه. لا أدَّعي أنّي صاحبة قضيّة، ولكنّي أؤمن أنَّ النساء في السعوديّة يستطعن أن يلعبن دورًا أهمَّ في مختلف المجالات، لو أتيحت لهنّ الفرصة وآمن هنّ بقدراتهنّ”.

لقطة من فيلم وجدة
تدفع المنصور من خلال أعمالها الكثير من النساء للمضيّ في تحقيق قيم مثل حبّ الحياة والإصرار والعمل الدؤوب. فعندما نرى “وجدة”- أدّت دورها في الفيلم الطفلة وعد محمّد- تمتلك كلّ تلك الحكمة والقدرة على أن تكون ملهمة لكلّ من يحلم بالتغيير، فنحن حتمًا أمام قصّة تحتفي بالإنسان أوّلًا، حكاياته، وصراعاته، ومأساته الخاصّة. إذ تطلع العمل بطريقة رائعة إلى تقديم نظرة ثاقبة وحميميّة عن ثقافة المكان، الأشخاص بتفاصيل حياتهم، واقعيّة الصورة والقصّة، وارتباطها بالصراعات اليوميّة للنساء، ومنظورهنّ الخاصّ حول الحياة والمجتمع.

المعركة المستمرة
لطالما تقاطعت بطلات المنصور في قصصهنَّ إلى حدّ كبير، غير أنّنا دائمًا ما نجد أنّهنَّ يتشاركن همًّا واحدًا، وهو المعركة المستمرّة ضدَّ “النظام الأبويّ”، فكما جاء صراع وجدة الأساسيّ في محاولتها اقتناء درّاجة، خاضت العديد من النساء صراعات مشابهة لتفعل أشياء بسيطة بمنزلة المسلَّمات في مجتمعات أخرى. لقيت هيفاء المنصور الرفض نفسه من شوارع الرياض غير المعتادة على رؤية امرأة تختلط بالرجال، ولهذا السبب، اضطرَّت أن تصوّر مشاهد الفيلم الخارجيّة من داخل شاحنة، وضعت فيها شاشة تستطيع من خلالها أن ترى المشهد، وجهاز اتّصال لاسلكيّ يمكنها عن طريقه إعطاء التعليمات.
وعلى الجانب الآخر هناك أمُّ وجدة- ريم عبد اللّه- وهي نموذج للأمِّ العاملة، الّتي تحضر الطعام قبل ذهابها للعمل، حتّى لا يتطلّب الأمر وقتًا طويلًا لإعداده بعد رجوعها منه. امرأة حزينة تحاول باستمرار استعادة طيف زوجها الغائب، والّذي يذهب ويعود باستمرار، دون أن يفتقده أحد، باستثناء محاولات يائسة من الزوجة لاسترجاعه، وهكذا.. فهي محطَّمة ووحيدة على الدوام. بالإضافة إلى ذلك، تستخدم المنصور لغة جسد بطلاتها في التعريف عن مشاعرهنَّ. فعندما نرى الأمَّ ترتدي النقاب والعباية، بطريقة أو بأخرى نعرف جليًّا كيف تشعر دون أن نراها. إنّ إيماءاتها وتردُّداتها المتواصلة ما هو إلّا تعريف بيّن عن نساء متوجِّسات، وحيدات. غير أنّهنَّ يمتلكن قوتُهنَّ وبأسُهنَّ الخاص. فالمشهد ما قبل الأخير كان بليغًا.. فالأمُّ والابنة يحتضنان بعضهما فوق سطح البيت. ومن بعيد يمكنك سماع أصوات الدفوف والتهليل للعرس، فيما تُنير السماء الألعاب الناريّة. الليلة نفسها الّتي بكت فيها وجدة، حينما سرق منها حلم الدرّاجة، شهدت وجدة بكاء أمِّها، الّتي سرق منها زوجها أيضًا، ولكنّ الفارق، أنّه سرق بكامل إرادته الحرّة.وكان ذلك هو الدرس الأوّل الّذي تعلّمته وجدة، أنّ النساء هنَّ من ينتصرن لأنفسهنَّ في نهاية المطاف.

إحياء الذاكرة

لقطة من الفيلم السعودي وجدة
من أجمل المفارقات في الفيلم قدرته على إحياء الذاكرة في داخلنا. ففي كلّ مرّة أشاهد فيها العمل تلوح في ذاكرتي لحظات الطفولة الّتي دفعتها تجارب النضج والتقدّم نحو طيّها في عالم النسيان. لا أستطيع أن أنسى أبدًا وجدة وهي تنطلق في درّاجتها الخضراء، على أنغام الموسيقى التصويريّة المصاحبة للفيلم الّتي نفَّذها “ماكس ريتشر”، في أرجاء المدينة. كان هذا مشهد النهاية الّذي يقول إن الأمل ما زال باقيًا. تركت وجدة كلّ أوجاعها خلفها في تلك اللحظة، وانطلقت بالدرّاجة، متحرّرةً من كلّ شيء. والدرّاجة هنا ما هي إلّا رمز، للحرّيّة والانطلاق، والفكاك من القيود الّتي يفرضها الإنسان على غيره. وكان انتصار وجدة الحقيقيّ.. هو أنّها حلّت القيد الأوّل.. والبقيّة تأتي.

لطالما وصفت تجربة مشاهدتي لأعمال هيفاء المنصور على أنّها فريدة للغاية. فهي عمل فريد يوضِّح لنا سبب أهمّيّة الاستمرار في البحث عن هذا النوع من الأفلام بقصصه القاسية. فأجلُّ ما يقدّمه المخرج عبرَ سينماه أن يكون واقعيًّا ومتنوّعًا ورائعًا مثل الحياة نفسها.

فاصل اعلاني