• English
  • 21 يونيو، 2024
  • 11:06 م

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

5 December، 2023

رشيد الحميدي – 

تعدَّدت التجارب السعودية في صناعة الأفلام، وبالأخص في آخر عقدين، وتنوَّعت أشكال الإنتاج فيها حتى وصلت ميزانيات بعض الأفلام إلى الملايين. كل هذه التجارب تحاول في صميمها حكاية قصص أو نجاح تجاري وجماهيري. ولكن هناك، في منطقة يحجبها الظل عن أقلام الإعلام وأموال الشركات، مجموعة من الفنانين السعوديين قبل أن يكونوا مخرجين ذوي خلفية سينمائية فنية واسعة في المشاهدات، تحاول تخلق تجارب خاصة فيها، تجارب يمكن للمرء أن يطلق عليها “سينما طليعية”، حيث إن هذه الأفلام القصيرة تتَّسم بأشكال مختلفة في الصنعة، ولكن يجمعها عنصر واحد دائم وهو التجريب. المتابع الجيد لهذه الأفلام القصيرة ولهؤلاء السينمائيين، يدرك جيدًا أن هناك العديد من العناصر التي يملكها هذا الاتجاه، الكفيلة بأن تجعل منه ما يتخذ شكل الحركة السينمائية الواعدة، وإن كانت هذه التسمية لم تكتمل شروطها كافة.

ولربما يطرح القارئ سؤالًا مباشرًا عن متى تكونت هذه الحركة، ومن هم هؤلاء المخرجون، والإجابة عن هذا السؤال لن يكون بتلك السهولة، حيث إن هذه التجارب كانت في الأساس مستقلة، وغير مرتبط بعضها ببعض، وليست تحت مظلة واحدة، بل ربما بعض مخرجيها لا يعرفون غيرهم من المخرجين الذين يتشاركون معهم التجربة. ولكن كي أضع النقاط على الحروف؛ سأقوم بذكر مجموعة من السمات التي جمعت هؤلاء المخرجين وهذه الأعمال بطريقة تساعدنا على وضع هذه الأفلام تحت مظلة “السينما السعودية الطليعية”، وجعلها تتسق وسط إطار يميزها عن غيرها من المشاريع السينمائية في السعودية.

في منطقة يحجبها الظل توجد مجموعة من الفنانين السعوديين، تحاول خلق تجارب يمكننا أن نطلق عليها “سينما طليعية”.

النشر والتوزيع الذاتي

حنين المسافر للصلاة

إن مشاركة فناني الأفلام التجريبية موقع Letterboxd، والتي هي شبكة اجتماعية سينمائية يقوم مشتركوها بتدوين مراجعاتهم ومشاهداتهم، تُعدُّ أحد العناصر الرئيسة التي جمعت الفنانين بعضهم ببعض. من خلال هذا الموقع استطاع الفنانون السعوديون الوصول إلى غيرهم من محبي السينما، ودعوتهم لمشاهدة أعمالهم، بل إن الموقع يمتلك صفحات مخصصة لتلك الأفلام القصيرة، والتي ساعدت بدورها على كتابة المتابعين العديد من المراجعات، وردود الفعل تجاه هذه الأفلام، حتى لقد وصلت هذه الأعمال مثل عمل محمد الملقب بفلاديمير “حنين المسافر للصلاة”، وعمل أنهار سالم “عيون”، إلى مشاهدين من جنسيات متعدِّدة من الغرب والشرق.

كذلك تتميَّز هذه الأعمال أنها جميعها منشورة عبر منصة Vimeo، وهي منصة عرض محتوى مرئي، تستهدف صناع الأفلام والفنانين أكثر من الجمهور العام. وبرأيي نشر الفنانين عبر منصة ڤميو، على الرغم من أنه قرار لم يكن حائزًا على موافقة بالإجماع، إلا أنها نقطة تميُّز تلك الأفلام عن غيرها من تجارب السعوديين الأخرى التي نشرت عبر اليوتيوب. اتضح هدف هذه التجارب منذ البداية، أنه لا يستهدف الجمهور العام، هي أفلام منطلقة من تجربة ذاتية، وخطاب مباشر من الفنان إلى جمهور محدَّد، وهذا ما سنتطرق له أكثر في سمة التجريب.

التجريبية

اختلفت تعريفات السينما التجريبية والطليعية، لكن أغلب هذه التعريفات تتفق على أن السينما التجريبية هي تلك السينما التي تتمرَّد على الأساليب السائدة في السرد، وكسر القواعد المعروفة عند صناع الأفلام. من يشاهد أعمال فناني السينما السعودية الطليعية، يدرك مباشرة أن التجريب هنا مختلف، وهو نابع من تأثر بأعمال فنانين كبار، أمثال المخرج الفرنسي كرس ماركر، أو المخرجة والكاتبة الفرنسية مارغريت دوراس، أو حتى أسماء أقل شهرة، مثل الليتواني الأمريكي جوناس ميكاس، والأمريكي ستان براخاج. وبالعودة إلى “حنين المسافر للصلاة” يقوم محمد بافتتاح فيلمه باستخدام لقطات التصوير البطيء، والرسم الضوئي المشابه لتأثير هلاوس مخدرLSD  بشكل يجعلنا نستحضر الأفلام الطليعية في فترة الستينيات والسبعينيات، والميل إلى أسلوب المونتاج والتحرير. وبالمرور على بقية أعمال محمد، أو أعمال المخرجين والمخرجات؛ يمكن أن يلاحظ المشاهد بسهولة كثافة العملية الإنتاجية لهذه الأفلام، ومحاولات الفنانين خلق تجربة يعيشها المشاهد، من خلال توظيف المشاهد البصرية المعدَّل عليها، إما من ناحية الرتم أو من ناحية الألوان، إلى درجة تتجاوز الألوان الطبيعية، بالإضافة إلى توظيف عنصر الصوت، وإدخال عناصر صوتية جديدة في مرحلة الإنتاج، واختيار موسيقى تجريبية، وكل هذه الأدوات يتم توظيفها بطريقة تجريبية تخالف الاستخدام السائد والمعروف عند صناع الأفلام. ويجب لنا أن نشير أيضًا إلى أن هذه الأعمال في معظمها تم تصويرها بكاميرا الهاتف المحمول، وبجودة أقل من تلك الأفلام القصيرة التي عهد المشاهد أن يراها في اليوتيوب من قبل مخرجين سعوديين آخرين، بل إن معظم هذه الأفلام لا تملك أي عملية إنتاجية، من إضاءة وممثلين وطاقم تصوير؛ لذلك يعتمد الفنانون كليًّا إما على اللقطات التجريبية لعناصر وأماكن، أو لقطات تسجيلية في الشارع والأماكن العامة.

الخطاب الذاتي

من أحد تفردات هذه التجارب القصيرة، أنها تأتي من خطاب ذاتي، ويتَّضح هذا الشيء باتجاه صناع الأفلام إلى الاعتماد الكلي على الإنتاج الذاتي في التصوير والتحرير، بل وحتى النشر، وهذه العملية الإنتاجية تعطي الفنان حرية الاختيار في المواضيع، ناهيك أن يصبح المحفز الأكبر لخوض هذه التجربة هو إلقاء خطاب ذاتي، أو محاولة تصوير حالة شعورية متفردة، يحاول الفنان توصيلها، دون الاكتراث لعمليات النشر والتوزيع، أو البحث عن ميزانيات للفيلم، أو المشاركة في المهرجانات. ذاتية الخطاب يمكن لنا أن نراها في جميع أعمال الفنانين، ولكن سأقوم بالحديث عن تجربتين متفردتين، وهما: تجربة المخرجة أنهار سالم، وتجربة المخرج ناصر ضيف الله.

الاعتماد على الإنتاج الذاتي في التصوير والتحرير والنشر، يعطي الفنان حرية إلقاء الخطاب الذاتي، وتصوير حالة شعورية متفردة.

أنهار سالم

فيلم عيون لأنهار سالم

إن كان لا بدَّ لنا أن نضع نقطة انطلاق لهذا الاتجاه السينمائي الطليعي، فأنهار سالم ستكون نقطة انطلاقها، من خلال تجربتها بفيلم “جسر” عام ٢٠١٥، الذي قامت أنهار من خلاله بتصوير لقطات متنوعة في شوارع مدينة جدة نهارًا، ونشر الفيلم عبر موقع Letterboxd. تتميز أعمال أنهار أنها عين لحياة الشارع في جدة، بل إن أحد أفلامها القصيرة الأولية بعنوان “عيون”، تقوم أنهار بتصوير رحلة الذهاب إلى أخصائي البصريات، ومن خلال هذا الفيلم تقوم أنهار بتصوير بديع، وبرتم سريع لهذه الرحلة، ملتقطة من خلالها تفاصيل واقعية وغير مصطنعة، لأجواء العيادة، وطقوس صالات الانتظار، على طريقة أسلوب الأفلام التسجيلية. تتميز أعمال أنهار بكسرها للقواعد السينمائية المعروفة، وإنها واقعية، ومن وسط الشارع، أو الداخل الذي عادة لا تدخله الكاميرا، ولكن لأنهار طريقتها الخاصة في التنصل، والتقاط هذه التفاصيل بشكل خاطف تجعل من كاميرتها عينًا للحياة الواقعية، التي عادة لا تستطيع التقاطها أفلام الميزانيات وشركات الإنتاج.

إن كان لا بدَّ لنا أن نضع نقطة انطلاق لهذا الاتجاه السينمائي الطليعي، فإن أنهار سالم هي هذه النقطة بفيلمها “جسر”.

ناصر ضيف الله

الربيع وقت الموت والبعث لناصر ضيف الله

بالنقيض من واقعية أنهار، تتميز أفلام ناصر ضيف الله القصيرة بالابتعاد عن حياة الشارع، وأنها تنتهج أسلوبًا واضحًا ورصينًا ومتفردًا وشاعريًّا، تجعله من أهم أسماء هذه الاتجاه التجريبي. ومن يتابع أعمال ناصر ضيف الله يدرك مباشرة أن خلف هذه الأعمال شاعر سينمائي واعد، قادر على أن يستخدم أدواته بطريقة تجعله متميزًا عن غيره من السينمائيين ككل، بأسلوب يذكرنا بأعمال الفرنسية مارغريت دوراس. قام ناصر بنشر ثلاثة أفلام قصيرة، اشتركت جميعها بعناصر تقنية، مثل استخدام اللون الأصفر بشكل مكثَّف، يجعل الصورة تخرج عن حالة الواقعية إلى التجريب، بالإضافة إلى استخدامه لصوت المؤدي أو voice-over بإلقاء نصوص شعرية من كتابته، إما في الأنجليزية، وهي معظمها، أو حتى العربية. تمتلك أعمال ناصر صفة السينما الشعرية بأسلوبها البطيء، والشعر المنطوق، وثيمات الحب والاغتراب والذكريات، وكل هذه الثيمات تقدَّم بشكل بصري بديع، ومونتاج يجعلك ليس فقط تعيش تجربة فريدة، ولكن تميز فيها أعمال ناصر عن غيره من المخرجين منذ اللحظة الأولى.

من يتابع أعمال ناصر ضيف الله يدرك أن خلفها شاعر سينمائي مميز، له أسلوب يُذكِّرنا بأعمال الفرنسية مارغريت دوراس.

ختام

في ختام الحديث عن هذه التجارب، وأرشفة هذه الأفلام القصيرة والمتنوعة، الجيد والسيئ منها، هناك مطلب مهم، خصوصًا أن جميع هولاء الفنانين معتمدون كليًّا على الإنتاج والنشر الذاتي، من منطلق التجريب ومحاولة خلق خطاب شخصي مع الجمهور. ولم يمر عليّ مسبقًا أي مقال عن هذه التجارب تحت إطار واحد، على الرغم من انتشارها بين المجتمع السعودي عبر موقع Letterboxd. يصعب علينا في هذا المقال أن نقوم بذكر جميع أسماء هذه الأفلام، أو حتى أسماء المخرجين، والذين ينشر بعضهم تحت أسماء مستعارة، لكن توجد هناك جهود من بعض أعضاء موقع Letterboxd  بجمع الأعمال السعودية في قوائم مخصصة تسهل للمهتم إيجاد العناوين المذكورة وغير المذكورة في هذا المقال، ومع هذا العديد من الأعمال لا تمتلك أي صفحات على موقع Letterboxd ، ويصعُب على المهتمِّ أن يجدها خارج صفحات موقع ڤميو، على الرغم من جمال صنعتها.

فاصل اعلاني