• English
  • 15 يونيو، 2024
  • 5:09 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

السينما الكورية الجديدة: سينمائيون استطاعوا وضع بلادهم على خارطة العالم

السينما الكورية الجديدة: سينمائيون استطاعوا وضع بلادهم على خارطة العالم

4 January، 2023

فجر يعقوب

ليس هناك أدنى شك في أن الفيلم الكوري “طفيلي” قد أحدث انقلابًا عميقًا في مفاهيم جوائز الأوسكار، وربما سرى غضب غير مفهوم في بعض الأوساط السينمائية بسبب منه. لكن ما هو مؤكد، أن السينما الكورية قد أثارت اهتمام الناس بما تقدمه للعالم منذ وقت ليس ببعيد، وجاءت هذه التحفة السينمائية لتؤكد حضور صناعة فنية لم يعد بالإمكان تجاهلها حين يدور الحديث في الأوساط والمحافل والمهرجانات السينمائية العالمية.

ما الذي تعنيه جوائز الأوسكار لفيلم كوري على وجه الدقَّة؟ أول شيء، هو السلَّم الإبداعي الذي صعدت عليه سينما مبهرة، حتى تتفوق بأربع جوائز في عقر دار السينما الأميركية (2020). كذلك لم يكن ممكنًا إغفال حقيقة أن لبنات التفوق الكورية قد تم تشكيلها قبيل ذلك الوقت بكثير. فتجاوز نتاجات هوليوود استمر متقلبًا على مدار السنوات الماضية في عملية إبداعية صعبة ومعقدة، لم يكن ممكنًا لها أن تحدث لولا إصرار السينمائيين الكوريين أنفسهم على صنع سينما خاصة، يمكنها أن تحظى باعترافات دولية في الولايات المتحدة أولًا، وأوروبا ثانيًا، وهي السينما القادمة من الشرق البعيد دون أن تكون مدينة لأي من مرجعيات هذه الدول بشيء.

من المؤكد أن السينما الكورية لا تملك تقاليد صناعة عميقة، كما في بلدان كثيرة حول العالم بالرغم من أن بداياتها تعود إلى سنة 1919 مع فيلم “الانتقام العادل”. ثمة العديد من العوامل والمشكلات التي كبحت جماح هذه الصناعة الفنية في أوقات مختلفة، منها: الاحتلال الياباني قبل الحرب العالمية الثانية، الحرب في شبه الجزيرة الكورية، الأنظمة الديكتاتورية المتعاقبة على حكم البلاد لفترات طويلة، الأزمة المالية العنيفة التي ضربت كوريا الجنوبية سنة 1997.

مع ذلك، ظهر واضحًا في سنوات التسعينيات من القرن الماضي أن هناك تشجيعًا حكوميًّا غير مسبوق للإنتاج السينمائي المحلي، وتعزيز الهوية الثقافية، وخلق صناعة سينمائية رفيعة المستوى وذات شهرة كبيرة سوف تعرف لاحقًا باسم “ظاهرة الفيلم الكوري”، أو ولادة ما يسمى “الموجة الكورية الجديدة”، التي أسهمت في ظهور تيار ثقافي متكامل يطلق عليه “هاليو”. هذا التيار لا يخص السينما فقط، بل كل ما يمكن أن ينتج في الفضاء السمعي-البصري، بما في ذلك نجوم البوب الكوريون، الموسيقى الكورية، الدراما التليفزيونية، وبالتالي
كل ما يتعلق بسياسة التسويق المعقدة في جميع أنحاء كوريا الجنوبية، أي ما يثبت أن كل شيء يمكن أن يكون مربحًا، وذا جدوى اقتصادية.

السينما الكورية لا تملك تقاليد صناعة عميقة، لكنها استطاعت خلق صناعة سينمائية رفيعة المستوى وذات شهرة كبيرة ستعرف لاحقًا باسم “الموجة الكورية الجديدة”

نتائج كبيرة

بدأ تشجيع صناعة السينما الكورية يؤتي نتائج كبيرة، ففي الوقت الذي بدأت فيه الشركات العملاقة مثل سامسونغ وسواها تقديم النصح والمال، أخذ ينمو جيل من السينمائيين الكوريين الأحرار، الذين شاهدوا ما تنتجه سينما الغرب، واستلهموا لهم طرقًا إبداعية خاصة بهم، صار يدور الحديث عنها في كل مكان.

إن متابعة نجاحات السينما الكورية وتدشينها مهرجانات عالمية كثيرة، ظاهرة تشبه بتأثيراتها البعيدة المدى كرة الثلج. إنها تكبر وتتطور. وهي لم تكن أبدًا سياسة عشوائية في صنع تحدياتها، بل جاءت نتيجة سياسة حكومية مدروسة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، وهي سياسة ساهمت بتغيير قوانين صناعة السينما في البلاد، وحققت إنجازات هائلة في مجالات تسيير شؤون العمل العام في صناعة ثقافية ذات مردودات معنوية واقتصادية كبيرة.

فيلم Parsaite

اليوم تُعتبر كوريا الجنوبية من بين أكبر خمس أسواق استهلاكية للسينما في العالم. الحصص المخصصة للإنتاج المحلي تعطي متوسطًا 4.5 فيلم يراها كل مواطن كوري سنويًّا. وفي هذا السياق الاحتفائي، يمكن أن يُدرج فيلم “طفيلي” وسواه من كلاسيكيات السينما الكورية الكبيرة، التي نجح بعضها في اختراق أهم مهرجانات العالم وحصد الجوائز فيها على نطاق واسع. وعلى الصعيد المحلي هناك مهرجانات سينمائية مثل مهرجان بوسان السينمائي الدولي الذي أصبح واحدًا من أهم الأحداث الثقافية على الصعيد الآسيوي، ويحظى باحترام متزايد بين السينمائيين على الصعيد العالمي. وهناك مهرجان بيونغ وون للفيلم، ومهرجان جينجو الدولي للفيلم، ومهرجان سينما المرأة في سيؤول، ومهرجان بتشون الدولي لأفلام الخيال.

نجاحات السينما الكورية وتدشينها مهرجانات عالمية كثيرة، لم تكن نتاج سياسة عشوائية في صنع تحدياتها، بل نتيجة سياسة حكومية مدروسة.

والآن، عندما يدور الحديث بثقة غير مبالغ فيها أبدًا عن “الموجة الكورية الجديدة”، فإن الحديث يدور بالدرجة الأولى عن حفنة من صنَّاع السينما المهرة الذين صنعوا أفلامهم بدأب، وحصدوا الجائزة تلو الجائزة، ووضعوا بلادهم على خارطة السينما العالمية الكبيرة. وكما اتضح من الدراسات الجارية، فإن هذا كان عمل كوريا الجنوبية بأكملها، من المساعدات الحكومية والشركات الخاصة، ومن خلال مواكبة النقَّاد والباحثين السينمائيين المختصين، وصولاً إلى المشاهد/المستهلك النهائي في كوريا نفسها، وحول العالم.

إن الأسواق الرئيسية المتاحة أمام السينما الكورية، هي الأسواق التابعة لمعظم مجتمعات اليابان والصين وجنوب شرق آسيا. وغالبًا ما يحتل الفيلم الكوري صدارة المركز الأول في شبابيك التذاكر لدى هذه الدول. وهذا ليس مستغربًا، فالأفلام الكورية تحظى بشعبية كبيرة، وحيث يوجد شتات آسيوي، توجد سينما كورية. وعلى سبيل المثال تحظى الأفلام الكورية بقبول كبير في الولايات المتحدة، لأن الشتات الكوري نشط جدًّا فيها، كما لا يمكن تفويت فرصة ذكر بلد مثل كازاخستان حيث توجد فيه جالية كورية كبيرة.

وبالطبع، لا يمكن تجاهل الندوات النقدية التي رافقت احتفالات السينمائيين الكوريين، من نقاد ومخرجين ومنتجين، بمناسبة مرور مئة عام على بداية صناعة السينما في بلادهم، حين ناقشوا بكل شجاعة، وعلى الملأ، آفاق هذه الصناعة الوطنية للمئة عام المقبلة، وما الذي يمكن نقله تقنيًّا وفكريًّا للأجيال السينمائية القادمة، وكيفية صون وتطوير موضوعات هذه السينما المثيرة للجدل.

عندما حصل فيلم “طفيلي” على أربع جوائز في حفل توزيع جوائز الأوسكار (2020)، فإنه حطم الرقم القياسي كأول فيلم أجنبي يحصل على هذه الجوائز على مدار 92 سنة الماضية. في الواقع جاء ذلك تتويجًا لموجة أفلام كورية ظهرت على مدار العقدين الماضيين، وإن كانت مترافقة مع الأزمة المالية التي ضربت في بلدان جنوب شرق آسيا أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، وهو الوقت الذي خطت فيه كوريا الجنوبية خطوة واسعة لتصبح بلداً ديمقراطيًّا حديثًا.

بارك تشان ووك

شارك مخرجون من أمثال لي تشانغ – دونغ، بونغ جوون – هو، بارك تشان – ووك، سياسيًّا في نضالات الحركة الديمقراطية الوليدة، وقدَّموا أولى أفلامهم الطويلة خلال السنوات الهشَّة عقب الأزمة المالية التي عصفت بدول جنوبي شرق آسيا، ومنها بطبيعة الحال كوريا الجنوبية، بمساعدة نظام الحصص الذي يضمن عرض دور السينما الكورية للأفلام المحلية 146 يومًا في السنة، حتى نمت صناعة السينما بقوة أوائل العقد الأول من القرن 21.

عندما تُعرض الأفلام الكورية الجنوبية دوليًّا، غالبًا ما يلفت النقاد السينمائيون في كتاباتهم الانتباه إلى فظاظة الأفلام والتصوير الوحشي للعنف. لكن يمكن القول إن الفيلم الكوري غير واضح على الإطلاق، وبحاجة للمزيد من القراءة، والتفكيك، والتحليل. تفكيك شيفراته النفسية والاجتماعية لمعرفة الأسباب الكامنة وراء كل هذا العنف والقتل. ومن الموجة الكورية الجديدة ظهر عدد كبير من التجارب النوعية في سينما الموجة الجديدة، إلى جانب أفلام مقتبسة تحاكي قصص مصاصي الدماء بما فيها من أسطرة للعنف الدموي قلَّ نظيره في سينمات العالم.

تشكل مجتمعات اليابان والصين وجنوب شرق آسيا الأسواق الرئيسية للسينما الكورية.. التي تحظى كذلك بقبول كبير في الولايات المتحدة.

رؤى سياسية

إلى ذلك، قام المخرجون الروَّاد بتحميل رؤاهم السياسية أيضًا في أفلامهم بطريقة ساخرة، وبأساليب نقد اجتماعي مباشر وموَّجه. وأحيانًا تمكن ملاحظة ذلك كله، من خلال الاستعارات المتضخمة التي أثرت بشدة على الوجود العسكري الأميركي، وأحابيل الرأسمالية الملتوية في تطويع المجتمعات الحديثة والمعاصرة. كما تمكن ملاحظتها كتوريات هادئة يمررها مخرجوها في أفلامهم: مثلًا الفكرة المهيمنة للدعاية العسكرية الشيوعية الباهتة عبر مكبَّرات الصوت التي تبث على الحدود بين البلدين من كوريا الشمالية.

وإذا كان الفيلم الكوري الجنوبي الحديث قد بدأ بصفته “صفعة” في وجه الديكتاتورية العسكرية، وانحيازًا للهوية الوطنية المدعومة بالأدوات الاقتصادية الفعَّالة، فقد تحوَّلت موجة الأفلام الكورية الجديدة إلى حركة عالمية ملحوظة. ويعد وصول “طفيلي” إلى هذا المستوى الرفيع من الجوائز أحد أكبر الأمثلة على ذلك. ولم تعد محطات مثل “نتفليكس”، و”بي بي سي” تفوّت فرصة توظيف كبار المخرجين الكوريين الجنوبيين في نتاجاتها التليفزيونية على مستوى العالم، وهذا مثال حي آخر.

الفيلم الكوري الجنوبي الحديث قد بدأ بصفته “صفعة” في وجه الديكتاتورية العسكرية، وانحيازًا للهوية الوطنية المدعومة بالأدوات الاقتصادية الفعَّالة.

قراءة في فيلم “احتراق”

فيلم Burning

“احتراق”، فيلم كوري جنوبي، من إخراج لي تشانغ – دونغ، عن قصة قصيرة للكاتب الياباني الشهير هاروكي موراكامي. هو فيلم غموض وإثارة نفسية يصور حياة الشاب لي جونغ – سو (لعب دوره يوه أه – إن) المضجرة والمملة، فهو لا يفعل شيئًا في مواجهة رتابة الحياة التي يعيشها، إلا لاعتقاده ضمنيًّا أن البشر من حوله مزعجون وتافهون، ولا يستحقون عناء التفكير بهم. لي جونغ – سو يعمل في خدمة التوصيل بدوام جزئي، وقد تخرَّج في الجامعة (قسم الأدب الابداعي)، ويفكر في كتابة رواية. وأثناء أدائه عمله، يلتقي الشابة شين هاي مي (لعبت دورها جيون جونغ – سيو)، وهي تؤدي عملها مع صبية أخرى في الترويج لبعض السلع الاستهلاكية المرفقة ببعض الجوائز التشجيعية، كما هو الحال دومًا في البلدان الرأسمالية.

أثناء خروج لي جونغ – سو من المحل الضخم توقفه شين هاي مين، وتعطيه قسيمة اشتراك في المسابقة التي تعلن عنها زميلتها، ويكون الرقم التالي 85 الذي يحمله هو الفائز بساعة نسائية زهرية اللون، وتمازحه الشابة بقولها إن عليه أن يبحث بسرعة عن حبيبة إن لم يكن لديه واحدة، حتى يهديها هذه الساعة الجميلة. وسرعان ما تتعرف عليه: “أنت لي جونغ – سو، أليس كذلك؟ لقد كنّا جارين في صغرنا في مدينة باجو في مقاطعة وانلي. هذه أنا شين هاي مي. ألم تعرفني؟ لقد قمت بعمليات تجميل للوجه. لن تعرفني بسهولة!”.

يحكي لها لي جونغ – سو عن حلمه بأن يصبح روائيًّا، وهو الحلم الذي لازمه منذ أن انتهى من أدائه خدمته الإلزامية في الجيش الكوري. إنه يفكر في كتابة رواية، لكنه لم يكتبها بعد، وسوف يكررهذه اللازمة كثيرًا دون أن يفسر طرحه لمشروعه – الحلم بشكل أكثر جدية. ولدى شين هاي مي بعض الأفكار المجنونة عن السفر. إنها تريد أن تسافر حتى تنفق المال على السفر، لهذا تريد أن تذهب إلى إفريقيا. ليس لديها متنفس آخر كما تقول سوى أن تمضي، وتتلاشى وتختفي مثل شمس الغروب، وتريد أن تبكي. تريد أن تُقشّر برتقالة بالإيماء “فن البانتوميم”، لأنه بوسعها أن تأكلها متى شاءت، وتدعوه بألايفكر بالبرتقال الموجود أمامهما، فعليه أن ينسى عدم وجود برتقال، لأن الأمر بسيط، وما يهم هو رغبته بتناول البرتقال، وهذا سيسيل لعابه في حلقه بشكل طبيعي، وسيبدو لذيذًا حقًّا.

إنها حلقة دائرية من الأفكار المجنونة المتداخلة ببعضها البعض، حتى يعجز روائي ماهر عن الإمساك بها. لكن شين هاي مي لا تتوقف عن تدوير الخيط بيدها، وكأنها تقوده عبر متاهة اللغة، والإيحاء، والاستعارات، ولا تتحنَّن عليه، وهو كمن يمضي في رتابة أفكاره عن العالم المحيط به، لا يتدانى معها، ولا يبتعد، ويظل متشبثًا بضجره، وتبرمه من أن يفقد متعة الحديث عن استعداده “الدائم” لكتابة الرواية التي لن يكتبها أبدًا، وإن أطلق العنان لبعض مخيلته في الكتابة على كومبيوتره المحمول بعض السطور هنا وهناك، فنحن لن نعرف شيئًا عن موضوع كتابته، لأن روايته بالتأكيد تكمن في مكان آخر.

تحكي شين هاي مي عن أدغال صحراء كالهاري في إفريقيا، وتقول له إن هناك صنفين من الجوع: الجوع الأصغر، وهو الجوع البيولوجي. والجوع الأكبر، وهو جوع من يبحث عن طريق للنجاة. لماذا نعيش؟ ما المغزى من الحياة ذاتها؟ إن من يبحثون عن تلك الإجابات لتساؤلاتهم، هم الذين يعانون الجوع الأكبر.

جنون وفوضوية

تبدو شين هاي مي مجنونة، وتقف على الحياد لتشرك صديقها القديم – الجديد في أسئلة لا تسهم بتخليصه من عالمه الفوضوي، المضطرب. هي أسئلة لا تتوالد من تلقاء نفسها، إلا لأن هناك الكثير من الذكريات التي ترويها أمامه، وفي كل مرة يفاجأ بنوعها. هل سيتذكر أنه قال عنها ذات يوم، وهي عائدة من المدرسة إنها قبيحة جدًّا؟ لقد حدث ذلك عندما كانا في المدرسة الثانوية، فهل حقًّا قال لها ذلك؟! لا يبدو أن لي جونغ – سو قد قال ذلك بالفعل، ولكنها تعي أنها قامت بتجميل وجهها في عالم مفزع ومقلوب، وليس كل ما تقوله قد يعني شيئًا.

يتدَّرب لي جونغ – سو على ما سوف يأتي. وِجهة الشقّة من ناحية الشمال، وهي باردة قليلًا، ولكن انعكاس أشعة الشمس على الزجاج يسمح بتسلله إلى شقتها. سرعان ما يمارسان الحب بعد أحاديث جانبية لا تكاد تحمل محتوى معينًا. يعود لي جونغ – سو إلى مسقط رأسه باجو على الحدود مع كوريا الشمالية، حيث يمكن الاستماع بصفاء إلى خطابات تحريضية من القادة الشماليين ضد جارتهم الجنوبية، وكل شيء في اللغة المضافة إلى حياة القرويين هناك يوحي بأن حربًا قريبة واقعة لا محالة. لكن لي جونغ – سو لا يتعاطى معها، وكأنها كذلك بالفعل. إنه يعود، لأنه يجب أن يعود كما قال لشين هاي مي، فأمه تركته منذ عشر سنوات، وشقيقته تزوَّجت منذ زمن طويل، وأبوه يعيش مع بقرة وحيدة.

الحياة رتيبة هنا في باجو أيضًا. يمكن له أن يُكلّم البقرة، ويحكي شعرًا أمامها، وهو يطعمها، وأن يطبخ أكلاته المفضلة، فيما التليفزيون يحكي عن البطالة بين الشباب التي بلغت أعلى معدلاتها، ويعلو صوت الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وهو يقدم رؤية حكومته الجديدة، وكيف أن رغد عيش المواطنين الأميركيين في سلَّم أولوياته واهتماماته. تصبح أحاديث شي هاي مي أكثر تحريكًا له من ذي قبل، كأن شغفه بقصصها يحددان له سمة الحياة نفسها. هي الآن في “مجاهل” إفريقيا، وعليه أن يتدَّبر تشظي أفكاره، والتحامها بسوداوية الأحاسيس التي تغمره دون طائل!

يرن جرس الهاتف مرارًا، وهو يسترخي يائسًا. يشعر كما لو أن صخبه يرن في رأسه أولًا. يجيء صوت شي هاي مي من الطرف الآخر هادرًا. تقول له إنها عالقة في مطار نيروبي منذ ثلاثة أيام بسبب وقوع انفجار قريب منها، ولكنها نجحت أخيرًا في أن تصعد سلَّم الطائرة، وبعد يوم واحد ستصل مطار العاصمة سيؤول، وتسأله إن كان ممكنًا أن يجيء لاصطحابها من هناك. يوافق لي جونغ – سو بحياديته، وضجره المعتادين، ولا يبدو أنه متأثر لذلك. هو لا يغادر مربع الملل الذي يتحصَّن به، وكأن حياته ستمضي إلى ما لا نهاية بهذه الطريقة. في المطار يُفاجأ بحضور شاب جاء بصحبتها على الطائرة نفسها اسمه بين (لعب دوره ستيفن ييون). لقد تعرَّفت إليه أثناء الاحتجاز في العاصمة الكينية نيروبي، وهو الكوري الوحيد على الطائرة كما تقول.

مرة أخرى لايغادر لي جونغ – سو سأمه، وتردده، وإن بدا عليه عدم ارتياحه له، ليس بسبب من تودده لابنة قريته، فهو لم يمتحن مثل هذا الشعور تجاهها أبدًا، بل يبدو أنه غير مهيأ لأية علاقة عاطفية، فهو يحترم وحدته، وجهله التام بالأتيكيت الأخلاقي السائد بين الناس، ولا يبدو عليه أن يتعطَّش لعلاقات إنسانية، فهو منفصل وغريب عن محيطه.

يقول لي جونغ – سو إنه يستعد لكتابة رواية، وإن كاتبه المفضل هو وليم فولكنر. الكاتب الوحيد الذي يُشعره بتقلّب الأمواج في قلب الإنسان. يهز بين رأسه، وهو يستلم مفتاح سيارته التي أحضرها مرافقه من بوابة المطار. يفترقون ثلاثتهم. وتذهب شي هاي مي مع بين، ويعود هو في سيارته الريفية المتهالكة إلى باجو.

إنه يستعد لكتابة روايته الأولى مثل كل الروائيين الشباب. يكتب شيئًا على كومبيوتره المحمول، ولا نتبين شيئًا مما يكتب. لكنه يفتقد إلى ذلك الحس المحموم الذي يرافق الكتابة عادة. لقد اعتاد ملازمة الضجر، والنفور من الناس، ويالغرابته حين يجد نفسه مدعوًّا في بيت بين مع شلَّة من أصحابه الأثرياء، وبحضور شي هاي مي طبعًا. البيت يقع في ضاحية لا يقيم فيها إلا من يمتلكون المال، ويتلاعبون به، أو يلعبون به، كما يلعبون الكرة الطائرة مثلاً. تحكي شي هاي مي عن رقصة الرجل الجائع. الرجل الجائع الكبير في محاولته المستمّرة لإيجاد سر الحياة نفسها، وتطلب من الشلَّة مساعدتها بالتصفيق لإتمام الرقصة التي تعلَّمتها في إفريقيا. يغادر لي جونغ – سو الأمسية غير منبهر بشيء. يعود إلى البقرة الوحيدة ليتعلَّم منها سر الخلود.

يمضي في اليوم التالي ليتابع محاكمة والده، ويلتقي بمحامي الدفاع الذي يطلب منه إقناع والده بتقديم طلب استرحام للقاضي حتى يرأف به، فأبوه عنيد جدًّا، ومُتهجّم، ومُتسبّب بالضرر لأحد فلاحي قريته بكسر مرفقه. يقول لي جونغ – سو أمام محامي الدفاع إنه سيكتب رواية! لا نشاهد أي لقاء جانبي بين الأب الموقوف لي يونغ – سيوك (لعب دوره تشوي سيونغ – هو) على ذمَّة التحقيق، ولكن الابن يذهب إلى قريته ليوقع عريضة الاسترحام من المختار الذي يقول له إن أباه غير محبوب في مسقط رأسه، بعكس ما هو مكتوب في العريضة، ومع هذا يوقعها أمام إلحاح ورجاء لي جونغ – سو. كيف يمكن فهم سر الحياة إذن من دون هذه الخلطات السحرية بين الحب والكره، العشق والنفور، اليأس والأمل؟

إنه يكره أباه كثيرًا، لأنه يتصرَّف كوحش. وأما أمه فلا يشعر بشيء تجاهها، فقد تركته وحيدًا وهو صغير، ومضت، وهو لايعرف لها مكانًا. بعكسه، يبدأ بين بالحكي عن السلام الداخلي الذي يشعر به كلما أقدم على حرق بيت بلاستيكي (الدفيئة)، وهو يفعل ذلك كل شهرين مرة على الأقل. ويقول له إن الدفيئة القادمة ستكون قريبة جدًّا من مزرعته. تقوم شي هاي مي، وترقص في مواجهة الغروب البرتقالي الحامي. ترقص عارية الصدر، وهو ما يثير لي جونغ – سو، لأنها تفعل ذلك أمام “رجل غريب”. إنه يقصد بين بالطبع، لأن الرجال يُضَحّون بسرعة بهذه النوعية من النساء، وهذه النوعية من العلاقات.

لا يبدو عليها أنها استساغت كلامه، وتغادر مع بين وقت اختفاء شمس الغروب، وحلول العتمة بسيارة البورش. هذا آخر ظهور لها، وستأخذ الأحداث في النصف الثاني من الفيلم منحى مختلفًا. هنا يعزز لي جونغ – سو من فرضية أن بين قد قتل شي هاي مين. إنه يتعقبه إلى مقهاه المفضَّل، ويجده منهمكًا بقراءة وليم فولكنر، وكأنه قبل على نفسه أن يقلّد لي جونغ – سو، وأن يكون حبيس أفكاره أيضًا. ويُفاجأ بحضور فتاة أخرى، وهي تعتذر منه بحرارة لتأخرها عن موعدهما، وعندما يهمان بالمغادرة يسأله عن شي هاي مي، فيقول إنه لا يعرف عنها شيئًا، ولم يتلقَّ منها أي اتصال منذ مدة. يغرق لي جونغ – سو في حيرة أكبر، ويقرر أن يتعقب بين في الأمكنة التي يذهب إليها، وشعوره يقوى بأنه مسؤول عن اختفائها على الأقل، إن لم يكن قد قتلها.

مشهد من فيلم Burning

وبعكس الرواية القصيرة “احتراق حظيرة” لهاروكي موراكامي، فإن إشراك حارق البيوت البلاستيكية لي جونغ – سو بأفكاره، لم ينسه صديقته المختفية شي هاي مي، ولم يمنعه من البحث عنها بشغف. ويشعر كيف أن عالمه يبدأ بالتفتح للمرة الأولى أمام هول اختفائها، وقد اقترن بشعور مخيف مرتبط بحرق الدفيئات، حتى أنه جرَّب أن يشعل واحدة، ولكنه أطفأها بسرعة.

يكتشف بين سيارة لي جونغ – سو متوقفة أمام بيته، ويدعوه للدخول. في الأعلى يطلب أن يدخل التواليت متذرعًا بقضاء حاجته، وهناك يكتشف ساعة اليد الزهرية التي أهداها لشي هاي مي مرمية في أحد الأدراج إلى جانب مقتنيات نسائية كثيرة، وعندما يخرج إلى الصالون يسمع مواء قطة، ويستغرب وجودها، ويقول بين إنها قطَّة ضالَّة عثر عليها منذ بضعة أيام، وقرر أن يتبنَّاها، ولم يطلق عليها اسمًا حتى اللحظة.

لكن القطة تفر من الشقة الضخمة مع حضور الفتاة الأخرى، ويبدأ ثلاثتهم البحث عنها في كاراج المبنى، وتنادي عليها الفتاة باسم غريب من دون جدوى، وتكون المفاجأة عندما يجدها لي جونغ – سو في إحدى الزوايا هادئة، وينادي عليها باسم بويل. عندها تركض باتجاهه، ويحملها وسط دهشة بين وصديقته. يعطيها للفتاة ويغادر.

يتصل لي جونغ – سو ببين، ويقول له إنه ينتظره هو وشي هاي مي، وهو يتقصد الكذب عليه ليستدرجه، ويحدد له مكانًا نائيًا نسبيًّا. وعندما يجيء بسيارته البورش، وينزل منها يعاجله لي جونغ – سو بطعنات قاتلة من سكينه، ويضعه في سيارته، ويسكب بنزينًا عليها ويقوم بإشعالها. ولا يفوته أن يلقي بملابسه المدماة فوقه، ويقود سيارته المتهالكة بعيدًا، وهو عارٍ تمامًا. ويرتجف، ونُدَف الثلج تتساقط على زجاج السيارة الأمامي، والبرد يأكل عظامه، فيما النار تلتهم بين وسيارته في العمق.

هل كان ذلك كله بمثابة “احتراق” للفخ الذي ينمو بداخله، ويمنعه من كتابة روايته الأولى؟ ما من إجابة عن هذا السؤال أبدًا!

فاصل اعلاني