• English
  • 16 يونيو، 2024
  • 8:59 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

الممثل الجزائري في السينما الفرنسية: نمطية الصورة وإعادة التشكيل والبناء

الممثل الجزائري في السينما الفرنسية: نمطية الصورة وإعادة التشكيل والبناء

30 July، 2022

بقلم عبد الكريم قادري

لا يمكن الحديث عن تجربة أي دولة في السينما دون ربطها بنظيرتها الفرنسية، وهذا حال كل سينمات العالم تقريبا، خاصة أن هذا الفن وُلد وكبُر في فرنسا، عن طريق الأخوين لوميير، لينتشر بعدها في العالم، وهناك تطور وكبر بعد أن تلاقحت الأفكار والرؤى، عن طريق اندماج مدارس السينما المختلفة، وتياراتها المتعددة، واتجاهاتها الفكرية والنظرية. لكن لا يمكن إنكار أن المعين الأول هو السينما الفرنسية، وكانت خير مؤنس لتلك السينمات وحافظت على فنيتها وجماليتها، وأمّنتها من الابتذال والإسفاف الذي كان يمكن أن يقوض منطلقها الفكري بحجة الترفيه والتسلية.

وتجربة الجزائر السينمائية وتحدياتها لا يمكن إخراجها من هذا السياق، أو لا يمكن في أي حال من الأحوال الحديث عن محطاتها الأساسية وركائزها منذ اكتشاف السينيماتوغراف إلى اليوم، دون إيجاد خيط ما يربطهما من ناحية الإنتاج، أو عن طريق التشظي الفكري والجمالي والتأثّر، ولم يولد هذا الربط فقط من خلال العلاقة التاريخية بين فرنسا والجزائر، وإن كان هذا الأمر أحد الأسباب، لكنه لم يكن أبدا كل الأسباب، فهناك دول لا تربطها أي علاقة جغرافية أو ثقافية أو تاريخية مع فرنسا، لكن التأثر والتأثير كان واضحا، مع تفاوت كل تجربة، لأن الفن، والسينما على الخصوص لا تؤمن بالحدود والجغرافيات، وهذه حال التجارب السينمائية الجزائرية.

فبداية السينما في الجزائر كانت كولونيالية، في ظل المعطى التاريخي الذي تسبب فيه الاحتلال الفرنسي (1830-1962)، وهذا بعد سنوات قليلة فقط من اكتشافها، حيث أخرج الأخوين لوميير سنة 1897 فيلما وثائقيا عن العديد من المدن والمعالم الجزائرية عن طريق المصور ألكسندر بروميو، كما كان للمصور فلكس مسغش (1871-1949) دور كبير في تطور السينما في العالم، خاصة وأنه كان من أوائل المخرجين السينمائيين، وقد وُلد بمدينة سوق أهراس الجزائرية، وهو أول من صور ومضة إشهارية في العالم سنة 1898 حول دهان “روبلين”.

كما أُرسل من طرف الأخوين لوميير إلى العديد من دول العالم لتصوير مناظر فيها، من بينها أمريكا وروسيا، لتبدأ بعدها رحلة السينما الكولونيالية في الجزائر مع بداية القرن العشرين، أين كانت ميدانا خصبة لقرابة 200 فيلم، تنوعت مواضيعها واتجاهاتها وتقنياتها، لكن في المجمل لم يتخرج على نهج الانتصار للفرد الأوروبي وتهميش الجزائري وهويته، بل أكثر من هذا عملت على تغريبه وتشويه الحقائق، ومن الصدف أن يكون آخر فيلم كولونيالي هو فيلم “زيتون العدالة” 1962، للمخرج جامس بلو، لتبدأ بعدها مرحلة أخرى للسينما الجزائرية، وهي مرحلة الندية والتفاهم والشراكة بينها وبين السينما الفرنسية.

الممثل الجزائري في السينما الفرنسية

استعانت السينما الفرنسية منذ بدايتها بالممثلين الجزائريين لتحقيق ما جاء في السيناريوهات التي يتم تنفيذها، لتجسيد شخصيات قصة الفيلم ومنطلقاته، لتكون صورتهم سلبية على الأغلب، فنرى فيها الجزائري ذلك الدرويش الذي يضع عمامة على رأسه، رجل ساذج بطيء الفهم، بليد في طباعه، يعامل المرأة بشكل مهين دائما، ولقد دأبت على تجسيد هذه الصورة المهينة حتى أصبحت جاهزة وهلامية تتلقفها باقي الأفلام والسينمات.

وتتكرر في كل تلك الأدوار تقريبا، لتصبح مع الوقت “كليشيهات” وجب على أي فيلم أن يعكسها في تفاصيله، حتى إن كتّاب السيناريو عندما يبدؤون في كتابة قصة العمل يستحضرون تلك الصور السلبية، وأكثر من هذا تم تصديرها لباقي سينمات العالم. ليست فرنسا وحدها من بدأت في صنع تلك الصور السلبية عن الجزائريين والعرب، بل هناك السينما الإيطالية والأمريكية وغيرهما، وهو التحالف غير المباشر الذي ساهم في تثبيت تلك الهيئة في ذهن المتلقي العالمي.

استعانت السينما الفرنسية منذ بدايتها بالممثلين الجزائريين لتحقيق ما جاء في السيناريوهات التي يتم تنفيذها، لتجسيد شخصيات قصة الفيلم ومنطلقاته، لتكون صورتهم سلبية على الأغلب.

قبل الاستقلال/ تبعية الممثل

الكثير من الممثلين الجزائريين الذين شاركوا في السينما الفرنسية قبل الاستقلال شكّلوا النواة الأساسية في التأسيس للمسرح والسينما الجزائريين، عكسا للخبرة التي اكتسبوها في بلاتوهات التمثيل في الأعمال الفرنسية، ومن بين هذه الأسماء التي تركت بصمة واضحة في الفترتين، وأصبحت بعد الاستقلال من أقطاب المسرح محيي الدين بشطارزي (1897-1986)، وقد استطاع هذا الاسم أن يرسخ اسمه في السينما الفرنسية من خلال الموهبة الكبيرة التي انعكست في تمثليه أو صوته الطربي وموسيقاه التي استُعملت في العديد من الأفلام.

سارتي الرهيب - محيي الدين بشطارزي

ومن بين الأعمال التي شارك فيها كموسيقي، الفيلم الكوميدي/الدرامي “واحد من الفيلق” (1936)، للمخرج كرستيان آلبرت، وبعدها بسنة شارك أيضا في فيلم “سارتي الرهيب” للمخرج أندري هوغون، وهو الفيلم الذي لعب فيه الممثل الجزائري المعروف رشيد قسنطيني (1887-1944) شخصية أحمد، كما كانت موسيقى بشطارزي حاضرة أيضا في فيلم “البيت المالطي” 1938، للمخرج بيار كنال، وفيلم لهنري فيسكولت بعنوان “مواجهة المصير” 1940، كما لعب بعد الاستقلال دور مفتش شرطة في فيلم “الكلمة للشاهد” 1963، الذي أخرجه جان فوريز.

الممثل الجزائري في السينما الفرنسية، ما كاد يتحرر من صورة العربي الذي يرتدي عباءة وعمامة، البدوي الحافي ابن الصحراء، حتى وقع في صورة أخرى أكثر قسوة، وهي صورة الإرهابي المتشدد، الذي يفكر دائما في القضاء على الرجل الغربي.

ومن بين الممثلين الذين شغلوا الساحة الثقافية إبان الاستعمار الفرنسي محمد التوري (1914-1959) الذي عاش 45 سنة، وقد حقق هذا الممثل الموهوب صاحب الوجه المعبر مسيرة قوية في مجال التمثيل، وحتى النضال الوطني، لكن حضوره في السينما الفرنسية كان محدودا، على عكس المسرح.

محمد التوري

أما أكثر الممثلين ظهورا في السينما الفرنسية فهو الطاهر حناش (1898-1972) رائد السينما الجزائرية، وهو من بين الأسماء الفنية المهمة التي أحبت السينما بشكل جنوني، فقد ظهر ولعه بها منذ الصغر، هذا عندما اكتشفها صدفة وهو في سن العاشرة –بحسب مقال في موقع “سينما أخرى”-، وهذا عندما تعوّد على رؤية الجمهور يخرج من إحدى الغرف مرارا وتكرارا بأحد شوارع مدينة قسنطينة التي تقع شرق العاصمة الجزائرية، وبدافع الفضول سأل أحدهم عمّا يوجد داخل هذه القاعة، فقيل له إنها قاعة سينما “نوميز” وما يعرض داخلها هي الأفلام. ومنذ تلك اللحظة أصبح من رواد القاعات، وأكثر من هذا بدأ يبحث عن أسرار هذه الصناعة، بخاصة أنه كانت لديه ميول في الميكانيك وعوالم الاختراعات.

رجل عصابات رغمًا عنه - الطاهر حناش

ولم تنتهِ الصدفة هنا فقط، بل عاوده الحظ مرة أخرى سنة 1922، عندما كان يتجول بجانب أحد الإستديوهات الباريسية، فصادف أن التقى بالمدير، فنظر له الأخير وقال له: هل أنت عربي؟ فأجاب الطاهر أي نعم، فقال له المدير: تعال غدا لأوظّفك، لتبدأ بعدها رحلة الطاهر حنّاش مع عالم التمثيل وصناعة السينما، بخاصة أنه عمل إلى جانب التمثيل مصورا ومخرجا ومنتجا. ومن بين الأعمال التي مثّل فيها الفيلم الصامت “رمال متحركة”، وبعده فيلم “Chiqué” سنة 1930 لبيار كولمبيير. كما شارك في العديد من الأعمال الأخرى، ليقوم في ما بعد بتأسيس شركة إنتاج “تالا فيلم”، قام من خلالها بإخراج عدد من الأفلام المهمة التي ضاعت في غياهب النسيان، مثل “على أبواب الصحراء”، و”غواصو الصحراء”، كما أن هناك أسماء أخرى مثّلت في السينما الفرنسية، سواء تلك التي يُطلق عليها السينما الكولونيالة، أو السينما التي تُنتج في باريس.

بات عدد من الممثلين الجزائريين في السينما الفرنسية الحديثة يصطدمون بواقع الصورة السلبية التي تُفرضُ عليهم، من أجل أداء شخصيات غير مقتنعين بها.

بعد الاستقلال/ الخيار

تغيّرت المعادلة بعد استقلال الجزائر، لكن نظرة السينما الفرنسية إلى الشخصية الجزائرية في السينما لم تتبدل، ولم تخرج من إطار الصورة النمطية السابقة التي كانت سائدة قبل الاستقلال. لكن حظوظ الممثل الجزائري أصبحت أوسع، وخياراته الفنية تنوعت، خاصة أنه انطلقت في الجزائر صناعة سينمائية قوية جدا، في ظل تجارب الأفلام المشتركة التي كانت تحدث بين فرنسا والجزائر وعدد من الدول الأخرى. ومن هنا أصبح الطرف الجزائري يتحكم في صورته من خلال هذه الشركات، بل بات يعطيها بعدا إيجابيا، خاصة أن هناك أفلاما حصدت جوائز عالمية، وأصبح للسينما الجزائرية بعد عالمي وقيمة ثقافية، من بينها مثلا فيلم “ريح الأوراس” الذي دخل المسابقة الرسمية في الدورة الـ20 من مهرجان “كان” سنة 1967، أي بعد 5 سنوات من استقلال الجزائر، وقد ترأس وقتها لجنة التحكيم المخرج الإيطالي “أليساندرو بلستّي” (1990-1987) وبعضوية كل من كلود لولوش، ميكلوس جانكوزو، صمبين عثمان وآخرون. وكانت وقتها المنافسة شرسة وقوية بين بعض الأفلام، من بينها مثلا فيلم “أنت صبي الآن”، لفرانسيس فورد كوبولا، وفيلم “بلو آب” لميكل أنجلو أنتونيوني، ليفوز في الأخير فيلم “10 ألاف شمس” للمخرج الهنغاري فرونس كوزا.

وبحسب تصريحات الأخضر حامينة، فإن فيلمه “ريح الأوراس” اقترب من حصد جائزة السعفة الذهبية، غير أن المخرج صمبين عثمان امتنع عن التصويت للفيلم، لهذا راحت الجائزة للفيلم المجري، واكتفى الفيلم بجائزة العمل الأول، لكن حامينة عاد مرة أخرى وحصد السعفة الذهبية عن فيلم “وقائع سنوات الجمر” (1975)، كما أن الفيلم الجزائري الفرنسي للمخرج كوستا غافراس “زاد” حصل على أوسكار أحسن فيلم أجنبي سنة (1970)، ولقد شارك فيه ممثلون جزائريون، على غرار سيد أحمد أقومي، وحسان حسني. كم أن هناك أفلاما مشتركة أخرى ساعدت على صقل مواهب الممثل الجزائري وتحسين صورة الجزائر ككل.

إعادة تشكيل صورة الممثل الجزائري

رضا كاتب من الفيلم الفرنسي في محطة الشمال

جيل جديد من الممثلين الجزائريين بات لهم حضور قوي في السينما الفرنسية الحديثة، أولئك الذين وُلدوا وتربوا في فرنسا، مثل جاك فلييرت، وهو كوميدي معروف في فرنسا، محمد فلاق، رضا كاتب، إزابيل إدجاني، قادة مراد، سليمان دازي ولياس سالم، وغيرها من الأسماء التي لا يمكننا حصرها والتي تؤثث الثقافة السينمائية الفرنسية، ولها جمهور قوي بحكم الموهبة الكبيرة التي تتمتع بها. كما انعكست هذه المواهب من خلال البيئة الفنية التي تربت فيها، والتكوين الجيد في المعاهد والجامعات الفرنسية، إضافة إلى الفرص التي سمحت لها بأن تساهم بشكل كبير في الصناعة السينمائية الفرنسية. أما الممثلون الذين ولدوا وتربوا في الجزائر، فقد خاضوا هم أيضا تجارب متنوعة في التمثيل بالسينما الفرنسية، مثل الفنانة القديرة بيونة، ونضال الملوحي وأسماء أخرى كان لها حظ الظهور، بخاصة في الأفلام الفرنسية التي تُمثَّل في الجزائر.

الممثلة الجزائرية بيونة

وبات عدد من الممثلين الجزائريين في السينما الفرنسية الحديثة يصطدمون بواقع الصورة السلبية التي تُفرَضُ عليهم، من أجل أداء شخصيات غير مقتنعين بها ولا تعكس ما يؤمنون به، بعد أن تحرروا من صورة العربي الذي يرتدي عباءة وعمامة، البدوي الحافي ابن الصحراء، المتسخ والبليد، إلى صورة أخرى أكثر قسوة، وكأنهم يعيدون تأسيس كليشيهات جديدة، وهي صورة الإرهابي المتشدد، الذي يفكر دائما في القضاء على الرجل الغربي، ولا يؤمن بمبادئ الديمقراطية، وهو بالضرورة حاقد على فرنسا.

وقد بدؤوا التأسيس لهذه الصورة النمطية الجديدة، لهذا بات الممثل الجزائري يتجنب العمل في معظم هذه الأفلام، لكن بسبب صعوبة العمل في المجال السينمائي فإن هناك من يشارك فيها ويؤسس لتلك الصورة. في المقابل لا يمكن إنكار أن هناك أفلاما فرنسية جيدة تقدم العربي أو الجزائري بصورة إيجابية، وبل وأكثر من هذا تعكس دوره الإيجابي، بخاصة أن هناك أسماء دخلت صناعة السينما الفرنسية، من باب الإنتاج أو الإخراج، وبات لها حضور قوي في المشهد السينمائي الفرنسي.

جيل جديد من الممثلين الجزائريين بات لهم حضور قوي في السينما الفرنسية الحديثة، يؤثثون الثقافة السينمائية الفرنسية، ولهم جمهور قوي بحكم الموهبة الكبيرة التي يتمتعون بها.

وخير دليل ما يقوم به المخرج الكبير رشيد بوشارب من خلال الأعمال المهمة التي فتحت نقاشات عالمية، بخاصة أنه أبرز صورة فرنسا الاستعمارية، ودور الجزائريين والمغاربة في تحرير فرنسا من براثن النازية، كما أن هناك مثالا آخر من خلال دورة “كان” هذا السنة التي تم إلغاؤها، لكن إدارة المهرجان أعلنت عن الأفلام المشاركة في الدورة. ومن بين الأشياء التي لفتت الانتباه وجود بعض الأسماء الفرنسية من أصول جزائرية مشاركة بأفلام فرنسية، مثل “التربة الحمراء”، و”إبراهيم”، للمخرجَيْن الفرانكوجزائريَيْن، فريد بن تومي وسمير قواسمي، وهذا في القائمة الرسمية لمهرجان “كان” في دورته الملغاة 2020.

فاصل اعلاني