• English
  • 16 يونيو، 2024
  • 8:06 ص

احدث الاخبار

عبد الله آل عياف: شغف السينما الحقيقية وهوس التنظيم الهندسي

“أوبنهايمر” الفيلم الأكثر تنظيمًا وإبداعًا

كرستوفر نولان: صنعت “أوبنهايمر” لأنه قصة رائعة.. وفخور جدا بفيلم “أرق”

بداية النور هي بداية الظلام!

نولان في عيونهم

كريستوفر نولان … أفلام مثيرة لأزمنة مقبلة

بسام الذوادي: نعمل مع عدة جهات لتشكيل هيئة للسينما في البحرين

أحمد يعقوب: فيلم “عثمان” تتويج للمسيرة المنفردة لكل عضو في فريق العمل

أنا والسينما

أن تأتي متأخرًا سينمائيًّا

السينما السعودية الطليعية التي لم تسمع عنها

سيناريو فيلم ليت للبراق عينًا

عائشة الرفاعي: تأخرت 20 سنة… لكن عنادي وشغفي قلصا المسافة فحققت حلمي

أزمة قُرّاء أم أزمة نصوص

عبد الله الخميس: رأي شباب الاستراحة أهمُّ عندي من رأي لجنة التحكيم

علي الشافعي: منفتح على جديد التصوير السينمائي وكل تجربة لدي مصدر إلهام لما يليها

لم يعد النهر صغيرًا، لم تعد الكلمات صغيرة عن الاغتراب والعزلة والماضي في أفلام الأخوة سعيد

براء عالم: الطريق إلى العالمية لن يكون بإعادة إنتاج أفلام هوليود

أفنان باويان: هذه المهنة السينمائية يعمل بها ثلاثة محترفين فقط في السعودية

الأفلام السعودية الجديدة .. جمهور متعطش وحكايات تفتِّش عن الكوميديا والهوية

“الخلاط”: صناعة منتج جيد من حكايات غير متوقعة

جماليات صناعة الفيلم عند بول توماس أندرسون

جماليات صناعة الفيلم عند بول توماس أندرسون

4 January، 2023

برينت دونهام

ترجمة: محمد زرزور

تطورت أفلام بول توماس أندرسون خلال العقدين الماضيين، فكانت أفلامه الأولى فوضوية ودرامية، مبنية بتقنيات مبالغ بها، وأداء مبالغ فيه أيضًا. بعد ذلك، أصبحت أفلامه بالوتيرة نفسها، إلا أنها غالبًا تكون داخلية، وفكرية أكثر منها جسدية، وأصبح أسلوبه في الإخراج أكثر نضجًا وضبطًا. خلال عشرين عامًا، أنجز أندرسون ثمانية أفلام فقط، لكنه برز كواحد من أكثر صانعي الأفلام الأميركيين إثارة.

أنجز أندرسون ثمانية أفلام فقط.. لكنه واحد من أكثر صانعي الأفلام الأميركيين إثارة.

لنقم برحلة عبر أفلامه السينمائية، ونكتشف: ما الذي يجعل أفلام بول توماس أندرسون متميزة للغاية؟

1. قصص أفلام بول توماس أندرسون:

“Hard Eight – “a.k.a Sydney (1996)

لقطة من فيلم Hard Eight

يعلم المقامر المحترف سيدني جون حيل التجارة، يقوم جون بعمل جيد حتى يقع في حب النادلة كليمنتين.

(1997) “Boogie Nights”

قصة مغامرات شاب في صناعة المواد الإباحية في كاليفورنيا في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.

(1999) “Magnolia”

لوحات ملحمية من الشخصيات المترابطة، بحثًا عن الحب والتسامح والمعنى في وادي سان فرناندو.

(2002) “Punch-Drunk Love”

يتم دفع مُورِّد جديد، مضطرب نفسيًّا، إلى قصة حب مع امرأة إنجليزية، بينما يتم ابتزازه طوال الوقت من قبل خط الجنس عبر الهاتف الذي يديره بائع المفارش، ويشتري كميات مذهلة من الحلوى.

(2007) “There Will Be Blood”

فيلم There Will Be Blood

قصة الأسرة والدين والكراهية والنفط والجنون. يركز الفيلم على منقّب، في مطلع القرن، في الأيام الأولى للعمل.

(2012) “The Master”

يصل أحد المحاربين القدامى في البحرية إلى الوطن من الحرب، مضطربًا وغير محدد مستقبله، إلى أن يُثار من قبل قائده الكاريزمي.

(2014) “Inherent Vice”

لقطة من فيلم INHERENT VICE

في عام 1970 يقوم المحقق الخاص في لوس أنجلوس لاري “دوك” سبورتيلو بالتحقيق في اختفاء صديقة سابقة.

(2017) “Phantom Thread”

فيلم Phantom Thread

تدور أحداث الفيلم في لندن في خمسينيات القرن العشرين، رينولدز وودكوك مصمم أزياء شهير تعطلت حياته الصعبة على يد امرأة شابة قوية الإرادة تُدعى ألما، وقد أصبحت عشيقته ومصدر إلهامه.

2. الكاميرا وأسلوب تكوين الصورة:

هناك العديد من اللحظات المميزة في أفلام بول أندرسون، وهو يحقق ذلك بخلق شخصيات لا تتطابق مع تلك الموجودة في الحياة، إلى جانب استخدامه تقنيات سينمائية إبداعية، بالاعتماد على عناصر مثل التباين السردي وتكوين اللقطة والإضاءة، ومن خلالها يبرز لحظات من الحب الأخرق، الجاد.

يخلق أندرسون شخصيات لا تتطابق مع تلك الموجودة في الحياة.

تكوين اللقطات في فيلم “THE MASTER”

لقطة من فيلم The Master

يعتبر فيلم “THE MASTER” أجمل فيلم صوره أندرسون، حيث قام بتصويره بمقياس 65 مم، ما أعطى الصورة الحدة والغنى. يدور الفيلم حول القوة والإيمان وكيفية تقاطع هذين الموضوعين معًا. يُعزز الإيمان باتباعه قوة لانكستر دود (فيليب سيمور هوفمان)، الذي نادرًا ما يتم استجوابه أو الشك فيه، لكن هذا يتغير في هذا المشهد. ونستطيع هنا أن نرى كيفية تطابق تأطير الكاميرا وتكوين اللقطة بين الشخصيتين انسجامًا مع مستوى سلطتهما.

وبينما يشرح دود فكرة الصدمة، قاطعه ضيف آخر يدعى جون مور (كريستوفر إيفان ويلش). يتساءل جون حول معلومات دود أمام الضيوف الآخرين، ويبدو عليه عدم الارتياح بسرعة. في هذه اللحظة، تصبح سلطة دود مهددة، فهو ضعيف بطريقة لم تجعلنا نتمكن من رؤيته بعد ذلك، وهنا تكوينات اللقطة تشير إلى هذا الضعف.

عندما يتحدث دود، نراه أولًا في لقطة متوسطة قريبة، متمركزًا وسط الصورة، مسيطرًا على اللقطة والتركيز عن كل فرد في الغرفة. كانت اللقطة الأولى لجون هي لقطة متوسطة، وقد تم حجبه جزئيًّا، وحظره بصريًّا من قبل دود وزوجته بيجي (إيمي آدامز)، فبدا كشخصية في الخلفية ذات أهمية قليلة جدًّا.

نراه في هذا الكادر أربع مرات، وهو مستمر في المقاطعة، ولم ينكشف كادر جون إلا بعد أن انتهى دود أخيرًا. لتبدأ المواجهة، وتظهر قوة التبديل من دود إلى جون، لنحصل على تشكيلين جديدين كدلالة على هذا الانتقال. ويتم تأطير دود في لقطة متوسطة من الخلف، فعليه أن يلتفت لينظر خلفه إلى جون، وهو الآن محجوب جزئيًّا بواسطة الأكسسوارات الأمامية.  

في الزاوية العكسية، لم يعد جون محجوبًا لأن وجوده في الغرفة بات رسميًّا. يتقلص دود بين اللقطتين الأولى والثانية له، لكن جون ينمو بشكل أكبر مثل التهديد الذي يمثله. ثم يقف دود لمواجهة المتهم أخيرًا، فلم يعد يجلس وظهره لجون، فوضعه الجديد هو محاولة لاستعادة سلطته. وفي اللقطة التالية، يتقدم جون للأمام في لقطة متوسطة قريبة أكثر إحكامًا، فهو الآن أكبر في الكادر، ولا يحجبه أي شخص أو أي شيء آخر.

سلطة دود مهددة من قبل شخص بدأ المشهد كضيف غير مهم ومجهول، بينما انتهى المشهد بجون بعد أن كانت له اليد العليا، ويتم تعزيز هذا الانتقال بخبرة بخيارات بسيطة لتكوين الصورة.

على الورق، هذا المشهد محادثة ساخنة بين شخصين، كما هو مكتوب. وقد لا يكون النص قادرًا على إيصال الشعور بالتحول في السلطة. بينما على الشاشة نرى التغيير، والمشهد يأخذ معنى جديدًا، فهناك دائمًا استراتيجيات لجعل المشهد أكثر تشويقًا، عندما تصور مواجهة مثل هذه بتلك الطريقة.

يستخدم أندرسون تقنيات سينمائية إبداعية معتمدًا على عناصر مثل التباين السردي وتكوين اللقطة والإضاءة.

3. الصورة تقرب لنا العالم:

في “Boogie Nights” مثل العديد من أفلام بول توماس أندرسون، تتحرك الكاميرا باستمرار، فنمط الحياة الإباحية لهؤلاء الممثلين والممثلات فوضوي ومضطرب، وهنا تؤكد الكاميرا المتوترة هذه الفوضى، وتقربنا مما تبدو عليه تلك الحياة. إن حركة الكاميرا الرائعة في الفيلم تفعل المعجزات لتأسيس الشخصية الرئيسية إيدي (مارك والبيرج). فبعد تألق وسحر مشاهد الملهى الليلي، يعود إيدي إلى المنزل،  في لقطة يدخل فيها إيدي غرفته ويخلع ملابسه، كما يفعل عادة، لتقوم الكاميرا بالحركة بزاوية 360 درجة في غرفة النوم.

 لكن ما الهدف من هذه اللقطة؟ ما الغرض الذي تخدمه؟ تعطينا هذه اللقطة مقدمة مناسبة لشخصيتنا الرئيسية، فنتعلم كل ما نحتاج لمعرفته حول هذه الشخصية،  فنتعرف على حياة إيدي على جدرانه. إنه موسيقي، يحب السيارات السريعة والنساء الجميلات، وهو معجب كبير ببروس لي. كل واحد من هذه الأشياء ينتظره إذا وافق على البدء في صنع أفلام للبالغين مع جاك (بيرت رينولدز)، فهو سيحصل على السيارة، وسيحصل على النساء، وسيكون نجم الأكشن التالي.

ليس من السهل الإنذار، إنه تنمية الشخصية، ففي لقطة واحدة يمكننا أن نرى أن إيدي كان ينتظر هذه الفرصة. بعض الشخصيات لا يعرف ماذا يريد في الفصل الأول، بينما آخرون، مثل إيدي، يعرفون ذلك بالتأكيد. لذلك، عندما يتخذ قراره يكون ذلك محفزًا بالفعل، لكن هذه اللقطة ليست مهمة لجمالية محددة فقط، فتُظهر لنا  البوسترات والصور على الحائط اهتمامات إيدي، لكن الكاميرا تظهر لنا أكثر من ذلك بكثير.

إن عالم إيدي صغير، والحركة الدائرية 360 درجة تطهر لنا حدود هذا العالم، فهو خانق ومحدود، وسيكون قرار إيدي بأن يصبح ممثلًا هو الهروب من السجن الذي كان يبحث عنه. هذا مثال رائع على رواية القصص باختصار، حيث يمنح الجمهور معلومات قيمة بأكبر قدر ممكن من الكفاءة، فنكتشف ملامح القصة والشخصية من جمالية الصورة ذات المعنى وحركة الكاميرا البسيطة. فيمكننا التعرف على الشخصية بلقطة واحدة، ونعرف من هي، وماذا تريد، دون كلمة حوار واحدة.

4. تقنيات المونتاج التشويقي:

ان المونتاج التشويقي هو أمر يدفع القصة إلى الأمام، ونحصل على التشويق من خلال التلاعب بالوقت وتأخير حدث ما لا مفر منه. لكن ماذا لو كان بإمكانك القيام  بالمونتاج من أجل التشويق والشخصية في الوقت نفسه؟ هذا بالضبط ما يفعله بول توماس أندرسون في فيلمه الأول “Hard Eight”.

في ذروة الفيلم، يتخذ سيدني (فيليب بيكر هول) قرارًا حاسمًا بقتل جيمي (صامويل إل جاكسون)، فيقتحم سيدني منزله ويجد بنادقه، وينتظر عودة جيمي إلى المنزل. وبينما كان سيدني ينتظر في الظلام، ويحدق في الباب الأمامي، يقوم أندرسون بتقطيع ثلاثة مشاهد في مشهد واحد، من لحظة جلوسه حتى إطلاق أول طلقة، ننتظر أكثر من 3 دقائق، هذا وقت طويل لخلق التوتر.

هناك أيضًا تباين بين كل مشهد، ينتظر سيدني بشدة، بينما يلعب جيمي القمار في الكازينو، ويتشارك جون وكليمنتين في رحلة هادئة وسلمية، وهذا المزج بين المشاهد يخلق أيضًا  نوعًا من التوتر.

جيمي في الكازينو

حتى الآن، لدينا ترتيب مشهدي ذكي ومباشر لجميع عناصر التشويق، لكن أندرسون لا يتوقف عند هذا الحد، فقد تم إنشاء المشهد أيضًا مع وضع تطور الشخصية في عين  الاعتبار. هذا المشهد هو كل شيء عن سيدني وحالته الذهنية. وهو جالس على الكرسي، نحصل على لقطة بطيئة نحو سيدني، لأنه يفكر في القرار الذي هو على وشك اتخاذه، ويفكر في العواقب. وعندما نتحدث عن جيمي في الكازينو وجون وكليمنتين في السيارة، فإننا لا نراهم كما هم فعلًا، بل نراهم من خلال خيال سيدني. يتخيل سيدني أن جيمي يضحك ويحتفل وهو يقامر بالأموال التي سرقها منه،  كما أنه يتصور السلام والأمان اللذين يعيشهما جون وكليمنتين مؤخرًا. كل هذا هو فقط في ذهن سيدني، ونحن مطلعون على أفكاره.

يتم مونتاج المشهد لخلق التشويق، لكنه يعطي الجمهور أيضًا نظرة تأملية حول شخصية سيدني والاختيار الصعب الذي هو على وشك القيام به، وهنا تكتمل معالم شخصية سيدني. إن إضافة مجموعات مختلفة من المعاني إلى المشهد يعطي الفيلم جودة وعمقًا أكبر.

المونتاج في فيلم “MAGNOLIA”

فيلم Magnolia

“MAGNOLIA” فيلم جماعي، هو نموذج من الشخصيات المرتبطة بالدم أو الظروف، وجميعهم يعيشون في المدينة نفسها. بعبارة أخرى، هناك ارتباط بينهم. لكن كيف يمكن الربط بين هذه الشخصيات بصريًّا؟ وما تقنيات المونتاج التي يمكن استخدامها لإنشاء هذه العلاقات؟

بعد المقدمة، يعطينا أندرسون مشهدًا يعرّفنا على كل الشخصيات الرئيسية، والطريقة التي يربط بها الشخصيات هي من خلال مونتاج الصور والصوت. إحدى الاستراتيجيات التي يستخدمها أندرسون هي من خلال الجماليات المرئية، والدافع هو عنصر يتكرر في المشهد أو الفيلم. في هذه الحالة، لدينا جماليات بصرية تستخدم حركة الكاميرا وتكوين اللقطة والأكسسوارات.

أثناء المونتاج، تدخل الغرفة ثلاث مجموعات من الشخصيات، وتمشي بجوار الكاميرا. إن زوايا الكاميرا والتأطير متطابقة تقريبًا، فلذلك قبل أن نفهم بالضبط كيف ترتبط هذه الشخصيات، فإننا مدركون هذه الروابط من خلال الصورة.

لقطة ل 3 شخصيات

اللقطة نفسها لــ3 شخصيات

يشكل التليفزيون عنصرًا مرئيًّا وقصصيًّا يربط هذه الشخصيات مع بعضها البعض، فقد عملت أغلبها في التليفزيون أو ترتبط بمن عملوا فيه، فمن المنطقي إذن أن يتم فعليًّا استخدام جهاز تليفزيون عدة مرات في المشهد.

ويجري أيضًا ربط الشخصيات من خلال الصوت، مثل معظم أنواع المونتاج، حيث تَشغل أغنية حيز الصوت كاملًا، ويشبه المشهد مقطعًا فيديويًّا موسيقيًّا لأغنية المغنية الشهيرة إيمي مان “One Is The Loneliest Number”.

لكن أندرسون يستخدم أيضًا صوتًا من داخل المشهد، معروف المصدر، للانتقال بين الشخصيات المختلفة، وهو الصوت الذي يأتي من المشهد الفعلي (على سبيل المثال، عندما تستمع الشخصية للموسيقى في الراديو).

في هذا المونتاج يستخدم الصوت من البرامج التليفزيونية، حيث نشاهد فرانك تي جيه ماكاي ( توم كروز)، وعندما ننتقل إلى الشخصية التالية، يستمر الصوت.

اللقطة التالية هي كلوديا (ميلورا والترز) في البار، ويمكننا أن نفترض أن الإعلان الإخباري يُعرض على التليفزيون هناك. عندما تغادر كلوديا، يبث تليفزيون في غرفة النوم قصة إخبارية عن جيمي (فيليب بيكر هول)، فيستخدم  أندرسون هذا الصوت من التليفزيون كتعليق، بينما نقطع مقدمة جيمي.

وعندما يلتقي ستانلي (جيريمي بلاكمان)، نسمع صوت ماكاي الإعلاني مرة أخرى، حيث يقوم  والد ستانلي (مايكل بوين) بكتم صوت التليفزيون، لكن هنا تم الربط بالفعل. ويُستخدم المونتاج لتوصيل الكثير من المعلومات بكفاءة، ففي “Magnolia” نتعرف على شخصياتنا الرئيسية، ونفهم ارتباطهم في أقل من سبع دقائق. وهذا هو السبب في أن الفيلم هو أحد أفضل أفلام بول توماس أندرسون. ويبقى التخطيط لتنفيذ هذه الطريقة في المونتاج هو الأساس لتهيئة كل التقنيات المتوفرة لخدمة ذلك لتحقيق أقصى قدر من السرد القصصي.

تسهم طرق المونتاج الحديثة في تهيئة التقنيات المتوفرة لتحقيق أقصى قدر من السرد القصصي.

الصوت والموسيقى والمشاعر

الموسيقى رائعة ومهمة للتواصل وتعزيز مشاعر الشخصية، لكن ما المشاعر التي يمكن أن تنقلها الموسيقى؟ كيف يمكن أن ينقل التصميم الصوتي القلق مثلًا؟

في فيلم بول توماس أندرسون “Punch-Drunk Love” لدينا مثال رائع على ذلك: باري إيجان (آدم ساندلر) شخصية مغمورة بالقلق، وهو شديد التوتر، ونعرف ذلك من خلال لغة جسده وحواره وتصويره ومونتاجه، لكن تصميم الموسيقى والصوت هما سبب اكتمال هذه الفكرة.

وبالحديث عن تصميم الصوت، فإننا نحن وباري نتعرض باستمرار للهجوم بالصوت، ففي المشهد الأول يتعرض باري لحادث سيارة، ويكون الصوت المؤدي إلى هذه اللحظة ضئيلًا ومحايدًا، لكن فجأة تنقلب السيارة ويقترن العمل العنيف بدوي صوت قوي.

وفي وقت لاحق، عندما كان باري يفكر في أخذ  آلة الأورغان، يأتي كميون سيارة من لا شيء، ليتكرر صوت حادث السيارة السابق من خلال صوت الشاحنة الذي يطغى على المشهد.

عندما يعزف باري على الأورغان للمرة الأولى نرى الهدوء والسلام على وجهه، وبالطبع يتوقف هذا على الفور عندما فتح لانس (لويس غوزمان) باب المستودع، ليغمر باري الضوء الساطع والصوت العالي للغاية.

مرة أخرى، يتطابق قلق الشخصية مع قلقنا، فمن خلال تصميم الصوت هذا، بدأنا في فهم ما يجب أن تكون عليه الحال بالنسبة لباري إيجان.

لقد صُممت بعض الموسيقى لتكوين القلق أيضًا، ففي وقت مبكر من الفيلم، هناك مشهد يحدث التوتر من خلال مطاردة سيارة عالية السرعة، لكنه يحدث في رأس باري، ويأتي من خلال الموسيقى.

في المشهد، يمر باري بيوم حافل للغاية، حيث يجتمع مع العملاء، وتتناوب أخواته على الاتصال به ومضايقته بشأن حضور حفلة في تلك الليلة، وفي وقت سابق من اليوم التقى بامرأة جميلة يتوقع أن تظهر مرة أخرى في أية دقيقة. يخلق الملحن جون بريون خلال هذا المشهد مجموعة من الفوضى، فما نسمعه هو موسيقى عشوائية وحادة وغير متجانسة وبعيدة من أن نتعرف عليها.

إنها مزيج عشوائي من القرع والضجيج والطبول وغيرها من الآلات الفردية، ووفق بريون، هناك أيضًا أصوات حذفت من الشريط الموسيقي. يبدو الأمر كما لو أن شخصًا ما سجّل لمجموعة من الأطفال الصغار في متجر للموسيقى وقد بدأوا تجريب  الآلات الموسيقية بشكل متخبط!

5. تصميم الإنتاج.. الأزياء والحدود:

عندما تقابل شخصًا ما، فإنك تشكل رأيك الأول عنه في غضون ثوان، يأتي معظم هذا الانطباع من مظهره الجسدي، والسلوك البشري. هل هو: قصير، طويل، بدين، نحيف، حسن الملبس، سيئ الملبس، طويل الشعر، قصير الشعر، له لحية، لديه شارب، يرتدي قرطا أو عقدا، الخ، فينبغي على صانع الأفلام عند تصميم مظهر شخصياته مراعاة هذه العناصر كلها.

في سيناريو مثالي، سوف ينتبه الجمهور إلى الأزياء، التي عادة ما تظهر سطحية، لكن لا شعوريًّا، حيث يلعب التأثير العام لتصميم ملابس الشخصية دورًا في التجربة.

فيلم Inherent Vice

يحتوي فيلم “INHERENT VICE” على بعض الأمثلة الرائعة من الأزياء التي تُعلم الشخصية، شأنها شأن العديد من أفلام أندرسون، فهي تظهر فترة زمنية معينة تشبه تلك المتعارف عليها في جنوب كاليفورنيا عام 1970.

يجتمع العديد من الفئات السكانية في الفيلم، فهناك الهيبيز الذين على الشاطئ ورجال الشرطة، وهناك رجال الدين يرتدون ملابس بيضاء، وعصابة راكبي الدراجات النارية، وعضو في حزب الفهد الأسود.

ومن خلال إلقاء النظرة على الشخصيتين الرئيسيتين: دوك سبوتيلو، وديت بيورنسن، يظهر أن دوك هو محقق خاص، وبيورنسن هو عضو في شرطة لوس أنجلوس، ونفهم بسرعة كبيرة أن هذين الرجلين لديهما علاقة حب وكراهية.

من الناحية المثالية، هما وجهان لعملة واحدة، حيث يتصادمان حول العديد من الموضوعات، حتى لو كان هدفهما النهائي واحدًا، فدوك هو من الهبيز القذرين بينما بيورنسن هو رجل القانون.

دوك لديه شعر أشعث، وله سوالف مقطعة، وهو إما حافي القدمين أو يرتدي الصنادل في جميع الأوقات. نهجه في حل القضية فضفاض، وشارد في بعض الأحيان، وما يرتديه دائمًا يعكس هذا.

بيورنسن متوتر ومحبط، دائمًا يرتدي البدلات، حليق الذقن دائمًا، وغالبًا يرتدي بدلة سوداء وربطة عنق.

بيورنسن محقق لا معنى من وجوده،  إنه عكس دوك في كل شيء، وهذا التناقض يبدو واضحًا في كل شي كأمر مسلم به، من خلال الأزياء.

المواقع في “PHANTOM THREAD”

عندما نشاهد فيلم “Phantom Thread”، فإننا نعلم أنها قصة حميمة، بينما في الواقع هي قصة خانقة. رينولدز وودكوك (دانيال داي لويس) هو صانع الأزياء الأول، وهو مطلوب من قبل الآخرين. كما أن منزله هو المكان الذي يعمل فيه مع العديد من الخياطات، والمبنى عبارة عن منزل مستقل أنيق على الطراز الجورجي. إنه مبنى مرتفع لكنه ليس واسعًا، فهو مكون من 5 طوابق، ويبدو عموديًّا أكثر بكثير مما هو أفقي.

إن هذا ليس موقعًا بناه  أندرسون على شريط الصوت، بل هو موقع حقيقي، حيث صور معظم الفيلم. لكن لماذا صور أندرسون في هذا المبنى؟ وماذا عن التصاميم المعمارية الضيقة؟ لقد اختارها أندرسون ليضيف نوعًا من التوتر الذي دعت إليه قصته، فشخصية وودكوك هادئة لكنها مخيفة، وإذا كان يعيش في قصر، فلن يصادف ذلك، وقد يكون تشدده اللطيف تهديدًا فارغًا.

تتصاعد الدراما لأن هذه الشخصيات لا مهرب منها، فهم يعيشون فوق بعضهم البعض، وهذا يدفعهم إلى ماضيهم الحميمي.

فلننظر إلى مشهد الإفطار ونلاحظ نقص المساحة الفيزيائية، وكيف يؤدي ذلك إلى الشعور بالتوتر والضيق؟

تجلس ثلاث شخصيات على طاولة تشغل معظم المكان، وحتى الطاولة تبدو مزدحمة بالأطباق والطعام وأقداح الشاي، والجدار حول ظهورهم، ويحيط بهم. هذه مساحة ضيقة وغير مريحة، كما أن الحوار في المشهد محرج أيضًا. فلو تخيلنا نفس المشهد في غرفة طعام كبيرة، فلن يكون لها هذا التأثير. فضيق المسافة بين الشخصيات يعطينا المعنى الحرفي للتوتر، ونشعر بالعلاقة العاطفية بين الشخصيات، بينما التوتر سيختفي في المساحات الواسعة.

لذلك، عند البحث عن الموقع المثالي للمشهد، لابد من أن نضع في الاعتبار كيف ستضيف المساحة الواسعة (أو ضيقها) إليه. ليس من السهل التصوير في مثل هذه الأماكن الضيقة، لكن تأثيرها على الممثلين سيعزز أداءهم.

ضيق المسافة بين الشخصيات يعطي المتلقي المعنى الحرفي للتوتر فيشعر بالعلاقة العاطفية بينها.

تقسيم النص في  “There Will Be Blood”

لقطة من فيلم There Will Be Blood

إن كتابة السيناريو مختلفة تمامًا عن كتابة رواية، فعلى سبيل المثال: كتابة السيناريو عادة ما تكون محدودة النطاق، ودور صانعي الأفلام فيها هو “ملء الفجوات”. وتتمثل مهمة المخرج في تصور السيناريو ووضع بصمته الشخصية عليه، وهذا ما يفعله بول أندرسون  في كل مرة، ما يجعله مخرجًا مؤلفًا.

تتميز كتابة السيناريو عن الرواية بأنها محدودة النطاق.. ودور صانعي الأفلام فيها “ملء الفجوات”.

في الرواية يمكنك قضاء الصفحات في وصف الموقع، فيحصل القارئ على التفاصيل من كلماتك وخيالهم.  بينما في السيناريو، ليس لديك هذه الرفاهية،  فعليك قصر أوصافك على ما هو ضروري والمضي قدمًا. وهنا يصبح تقسيم النص ضروريًّا، وهذه هي الطريقة التي يمكنك بها جمع أفكارك للحصول على مظهر المشهد، أو مناقشة التفاصيل حول الأكسسوارات الضرورية. إن عملية تقسيم النص تتيح لصانع الأفلام فرصة لتحسين رؤيته والعمل على التفاصيل.

لقد أخذنا المشهد الأخير المذهل من فيلم “There Will Be Blood” كمثال لكيفية  تنفيذه. الحوار والأداء رائعان، لكن ما التفاصيل التي أضيفت لجعل المشهد لا يُنسى؟

النص خفيف للغاية في التفاصيل، والحوار هو المحور الأساسي للمشهد، ولا يوجد الكثير من الخصوصية حول مظهر الموقع والأزياء وما إلى ذلك. في هذا المشهد، دانيال بلاينفيو (دانيال داي لويس) بات متهالكًا، فعقود من القسوة جعلته ثريًّا، لكنها أبعدت عنه كل من حوله. إنه وحيد، مدمن على الكحول وغير مختل.

خارج الحوار، ما القرارات التي يجب اتخاذها لتحويل هذا المشهد من كلمات على الصفحة إلى صور متحركة؟

في أحد الأوصاف من النص نقرأ: “هناك زجاجات خمور فارغة حول..

 signs of a MESS/BOOZE/TROUBLE…”

فنحصل على فكرة أساسية عن الشكل الذي يجب أن يبدو عليه المشهد. وهنا يأتي تفصيل تقسيم النص.

بالحديث عن الزي والمكياج والشعر، يمكن اعتبار عناصر صناعة الأفلام هذه أمورًا بديهية، لكنها ضرورية، حيث يتم تحديد الكثير من أداء الشخصية من خلال طريقة تقديمها.

لا يمكن نكران أداء دانيال داي لويس الحائز على أوسكار لأفضل ممثل عام 2008، فهو قد يكون أفضل أداء قَدمه والتزم به على الإطلاق. لكن بمتابعة المظهر الخارجي لدانيال بلينفيو نرى أن شعره غير مغسول، ولحيته الخفيفة طويلة، وتظهر بعض الثقوب على حذائه، بينما سترته ملطخة، ويبدو أنها لم تغسل منذ فترة طويلة جدًّا. في المقابل، فإن إيلي صنداي (بول دانو) حليق الشعر، وشعره إلى الخلف، وهو يرتدي ملابس لا تشوبها شائبة. لقد تم تصميم شكله بطريقة مغايرة تمامًا لدانيال.

قبل أن يتحدثا، يمكننا أن نعرف الكثير عن مواقفهما، ويتطلب هذا المشهد أيضًا أكسسوارات محددة. بلينفيو يأكل ويشرب في المشهد، لكنه لا يشرب من الكوب، ولا يأكل بالأواني. يفرغ بلينفيو الكحول مباشرة من إبريق زجاجي كبير، وهو يأكل ما يشبه شريحة لحم مطبوخة قبل أيام. وقد يُعتبر سؤال مثل  “كيف يجب أن تبدو شريحة اللحم التي يأكلها دانيال؟” هو مضيعة للوقت.

تأثير الأكسسوارات

لكن، عندما نشاهد المشهد مرة أخرى، نلاحظ كيف أن صلابة شريحة اللحم تظهرها نيئةً. ومن خلال ملاحظة كيفية إزالة العظام أو قطع الدهون من فمه، لن يكون هذا المشهد هو نفسه بدون شريحة اللحم القاسية، المطبوخة أكثر من اللازم.

إشارة: برينت دونهام، كاتب وباحث أميركي.

فاصل اعلاني